بقلم الناشط: ثائر أبو عياش

وليد دقة: رجل الكهف

وليد دقة7.jpg

مركز حنظلة_فلسطين المحتلة

إن الكلمات هي محاولة للتحايل على قضية تُكبرنا ولا نستطيع تحمل ألم تلك القضية، حيثُ نبحث عن بيت من العنكبوت عبر هذه الكلمات لنقنع ذواتنا أننا ما زلنا بخير، ولكن نسبح في بحر من الوهم، وفجأة نرتطم في القاع بالحمم البركانية، إذ إن وليد دقة قد قضى 38 عامًا في السجن، وأُصيب بالسرطان، ورحل شهيدًا بل وأكثر توقف الزمن لديه عن حدود الاعتقال، وأصبح رجل الكهف، إذ العالم يتحرك، ووليد دقة ثابت في زنزانته، وأيضًا العالم يتحرك ووليد دقة أستشهد، تلك هي حقيقة القضية.

داخل كهفه الخاص كان يبحث وليد دقة عن صهر الوعي، وأكثر كان يبحث عن فكرته النبيلة، حيثُ غياب الشمس، ومعها القمر لم يمنعان وليد دقة من مواصلة النهار والليل، كأن وليد دقة قد نجح في التحرر من سطوة المكان والزمان، وصنع لنفسه واقعه الخاص، وكسر ديكتاتوريه السجن، إذ الأخير هو سؤال دائم عن الحرية، وعليه تحرر وليد من السؤال، وسعى بالقلم والورقة يبحث عن أجوبته، بل وأكثر عن خلوده، حيثُ الحياة بالنسبة لهُ لم تكن مهادنة مع الموت كما قال غسان كنفاني فقط، ولا أيضًا مهادنة مع التجربة كما قال حنا مينا أيضًا، بل هي صراع مع الوعي داخل العقل، وصراع مع الحرية داخل الزنزانة، وصراع مع الخلود على فراش الموت.

الأمر إذن محتوم، هو الثبات في تأدية الرسالة، وأكثر التقشف النفسي الذي عاشه على مدار 38 عامًا، إذ كان يُدرك أكثر من غيره أن الروح البشرية تحتاج إلى الاعتناء، كما حاجة الجسد إلى الغذاء والصحة، وربما أمام معضلة الوعي أصحبت الروح والعقل لدى وليد أهم من الجسد، ولذلك لم تؤرقه أنطولوجيا الجسد، بقدر ما كان يُفضل الروح التي ترمز للعقل على الجسد الذي يرمز للحس مثلما كان يُفضل الفيلسوف أفلاطون، ويكون بذلك وليد دقة قد حرر الجسد من القدس ية لأنه كان يعلم أن الجسد سوف يتدنس عند الموت عبر الغسيل والكفن كما كان يقول ميلان كونديرا، وإن العقل لا يفنى عندما يسمو إلى معرفة الحقائق الأبدية حيث يتداعى الجسد، وأكثر لربما كان مؤمنًا بما قاله الأديب الشهيد غسان كنفاني في هذا المضمار، إذ قال كنفاني: " تسقط الأجساد لا الفكرة"، وعليه كان وليد صارمًا حتى لا تسقط الفكرة داخل الكهف، وبل حتى لا يُغسل العقل ويُكفن.

مرة أخرى أسمى وليد دقة نفسه برجل الكهف لأنه أصبح يعيش في زمن ليس زمنه، ومن جديد أيضًا كان وليد يعتبر نفسه خارج حدود الزمان والمكان، إذ الزمن كان لديه حسبما يعتقد يدور في فلك الزنانة، والمكان هو السجن، ولكن كهدية في هذا النص علينا أن نقدمها لوليد نستطيع القول أننا نحن نعيش خارج حدود الزمان والمكان، إذ الزمن للبندقية والمقاتل، والمكان فلسطين، ومن لم يكن في هذا الزمان والمكان هو خارج الحدود بالفعل، وأكثر هو رجل الكهف، أما وليد أبو دقة كان سيد الوعي، وقرع جدران الخزان من السجن، ووجد الشمس داخل الزنزانة، وعليه نُقدم الاعتذار لوليد، إذ نحن الذين خارج حدود الزنزانة رجال الكهف، وهنا يقول وليد أبو دقة¹: "حكايتُنا لم تنته.

لكل الحكايات بداية ونهاية، إلّا حكايتنا؛ لم نكتب لها نهاية بعد. فحين يتحوّل وطن بكامله سجنًا، ويكتفي الناس بالمشاهدة، نخشى أن نصبح فرجة وصندوق عجب يكرر نفسه، ويغدو المشاهدون زنازين متنقلة حتى لو اعتقدوا أنهم أحرار. فحذار أن تصبحوا أنتم زنازين متنقلة"، ومن صلب هذه الكلمات نقول إن كهف عن كهف يفرق أبو ميلاد.

من داخل الزنزانة رفض وليد أبو دقة أن يقوم الضبع بضبعه اولًا ومن ثم افتراسه، والقصد رفض الانسياق مع الاحتلال، وأكثر رفض أن يكون مسلوب الإرادة والوعي، وأن يُنادي الاحتلال "يابا"، وأكثر رفض أن يصحو ورأسه يرتطم بجدار الكهف، وناضل لاستعادة الوعي، واستعادة الإرادة المسلوبة، وأشعل بابوره بكاز القراءة والكتابة، وجعل من المستحيل ممكن كما طالب من قبل الراحل جورج حبش، وصنع مطرقته الخاصة التي يدق فيها على جدران أرواحنا نشيد الحرب أولًا، ونشيد الموت ثانيًا، ونشيد الحرية أبدًا.

إن الأصعب ليس الموت، بل الذوبان في برميل النهاية دونما رسالة، وفي العمق دونما تخليد النفس داخل أرواح الأخرين، إذ أدرك وليد أبو دقة أن خلوده الشخصي يأتي أولًا بالوعي للخلود ذاته، وعليه تفوق في نقشه على جدران الوعي، وأكثر تفوق فيه عندما أنجب ميلاد، تلك الطفلة التي جعلت لاسمه جملة مفيدة كما قال، ولذلك أحب بعد انجابها أن يُصبح أسمه أبو ميلاد، وقال عند احتضانه لميلاد لأول مرة: " أنا اليوم صار فيا مثل ما صار في اللي حفروا النفق²، وطلعوا عالضو وانمسكوا"، كأنه بذلك يقول أن ميلاد هي الشمس، وأكثر هي الخلود الأبدي لرجل الكهف الذي يبحث عن قضية العود.

تبقى الكلمات تنساب إلى ما لا حدود، وأكثر تفلت من عقالها، وتحرر من عباءتها أمام صلابة وليد دقة، وحتى لا نبقى نسبح في بحر من الكلمات علينا نمسك بقشة وليد أبو دقة لكيلا نغرق، تلك القشة التي من خلالها نتحرر من كهفنا، وخضوعنا، وصمتنا، وأكثر أن نتمسك بالإرادة، وندق على جدران عقولنا نشيد الوعي، تلك هي خطبة الوداع لوليد، لنحفظها حتى نتحرر من زمن الإبادة والجوع، وقصف أطفال غزة بالفسفور الأبيض، وأكثر لنتحرر من الدبابات التي تدوس جثث الموتى أمام مستشفى الشفاء، بل لنتحرر من السجون، والحواجز...
_____
¹. دقة، وليد، حكاية المنسيين في الزمن الموازي.
². عملية نفق الحرية هو حدث أمني وقع في صباح يوم 6 سبتمبر 2021، عندما تمكن ستة أسرى فلسطينيون من الهروب من سجن جلبوع، بينهم أربعة محكوم عليهم بالسجن المؤبد ومن بينهم زكريا الزبيدي ومحمود العارضة، حيث استطاعوا الهرب من خلال نفق حُفر في زنزانة السجن. أُعلن في مساء 10 سبتمبر (أيلول) عند الإمساك باثنين منهم: يعقوب قادري ومحمود عارضة، وفي ساعات الفجر الأولى من تاريخ 11 سبتمبر 2021، تمت إعادة اعتقال زكريا الزبيدي ومحمد عارضة.