خاص_مركز حنظلة
الحلقة التاسعة: تفكيك التنظيم الاعتقالي
عمدت مصلحة السجون الصهيونية، وبقرار من الوزير الاستعراضي بن غفير، إلى تفكيك التنظيم الاعتقالي للأسرى الفلسطينيين في اليوم التالي لاندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة.
وحول مفهوم "التنظيم الاعتقالي" أو "الحركة الأسيرة الفلسطينية"، لا بد بدايةً من تسليط الضوء على بنيتها وتشكيلها وآليات عملها، ونبذة عن تاريخها.
بعد الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية عام 1967، أخذت تتدفق على السجون الصهيونية مئات الآلاف من الأسرى الفلسطينيين والعرب طوال العقود الستة الماضية.
وكانت ظروف السجون في تلك المرحلة، خاصةً منذ أواخر الستينيات وحتى أوائل السبعينيات، قاسيةً جدًا، حيث الاكتظاظ والقمع والتنكيل وسوء الطعام والخدمات الصحية والزيارات العائلية، حيث لا ثياب ولا أفرشة ولا كتب ولا صحف ولا مذياع، وعشرات الحقوق التي صادرتها إدارة السجون في تلك المرحلة.
ومنذ بداية السبعينيات، خاض الأسرى الفلسطينيون سلسلة طويلة من النضالات، عُرف فيما بعد بـ "النضال الاعتقالي"، ضد مصلحة السجون الصهيونية.
وخيضت عشرات الإضرابات عن الطعام، وارتقى العديد من الشهداء أثناء هذه المعارك في سبيل تحسين شروط الحياة داخل السجون، وإرغام مصلحة السجون على الاعتراف بالتنظيم الاعتقالي الفلسطيني.
وبفعل نضالات الأسرى العنيدة طوال العقود الستة الماضية، أخذت أوضاع الأسرى بالتحسن التدريجي، وجرى فرض التنظيم الاعتقالي على إدارة السجون. ويتشكّل التنظيم الاعتقالي أو الحركة الأسيرة من:
-
الفصائل الوطنية والإسلامية: وهي مجمل الفصائل الثورية طوال تاريخها، حيث إن عموم الأسرى في السجون ينتمون إلى هذه الفصائل المعروفة في الساحة الاعتقالية، وخاصةً فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب، ولاحقًا حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
وتمثل هذه الفصائل، بهيئاتها ومؤسساتها ومنظماتها ولجانها، العمود الفقري أو الجسم الأساسي للحركة الأسيرة. -
اللجنة الوطنية: وهي اللجنة المشكلة من كافة فصائل العمل الوطني والإسلامي، وهذه اللجنة تشرف بشكلٍ يومي على مجمل الحياة الاعتقالية داخل السجون، سواء في إدارة العلاقات الداخلية بين الفصائل، أو إدارة العلاقة مع إدارة مصلحة السجون.
وكانت هذه اللجنة تتواجد في كل سجن وفي كل قسم، وتنبثق عنها لجان فرعية تدير الحياة الاعتقالية على كافة الأصعدة. -
لجنة الحوار: وهي لجنة مؤلفة من كافة الفصائل، ومهمتها إدارة الحوار مع إدارة السجون، ومتابعة الحقوق الأساسية للأسرى، وحلحلة الإشكاليات الناشئة عن الواقع الاعتقالي
-
ممثل المعتقل أو السجن: وهو الذي يُمثّل الأسرى أمام الإدارة، ويدافع عن حقوقهم، ويرفع مطالبهم واحتياجاتهم. وهذا الممثل هو حلقة الوصل بين اللجنة الوطنية والإدارة.
وبالطبع تكون اللجنةالوطنية هي مرجعية ممثل المعتقل.
وكان يجري التصديق عليه من قبل هذه اللجنة، بعد أن يجري ترشيحه من الفصيل الأكبر حسب أعراف السجون. وكان يوجد في كل قسم ممثل فرعي يُعرف بممثل القسم. -
عمال المرافق العامة: وهي المرافق الخدماتية الداخلية في السجن: شاويش الساحة، والكانتين، والمكتبة، والمحلقة، والغسالة، والمطبخ، وعمال النظافة وتوزيع الطعام.
لكن الاعتماد الأهم في التنظيم الاعتقالي يقع في الأساس على الحياة التنظيمية للفصائل، التي تعقد مؤتمراتها الانتخابية بصورةٍ منتظمة، وتنتخب هيئاتها وقياداتها، وتضع لوائحها الناظمة، وتقوم بتشكيل لجانها الداخلية، مثل: التنظيمية، الاعتقالية، والوطنية، والمالية، والاجتماعية، والثقافية، والأكاديمية، والأمنية، والإدارية...إلخ، بحيث تعمل هذه الهيئات واللجان إلى جانب الهيئات الوطنية العامة، كجسم منظم أشبه بالماكينة.
ولم تستطع إدارة مصلحة السجون تفكيك هذه البنية التنظيمية المعقدة التي نشأت وتطورت طوال عقود، وأصبحت مع الوقت جسمًا ثابتًا ومفروضًا بقوة الأمر الواقع، مما اضطر مصلحة السجون إلى الاعتراف بهذا الجسم والتعاطي معه. وقد مرت الحركة الأسيرة بمراحل وأطوار، نوجزها بالتالي:
-
مرحلة التكوّن الجنيني للتنظيم الاعتقالي بين عامَي (1967–1970).
-
مرحلة ولادة التنظيم الاعتقالي بين عامَي (1970–1975).
-
مرحلة اشتداد عود الحركة الأسيرة بين عامَي (1975–1994).
-
مرحلة الترهل في جسم الحركة الأسيرة بين عامَي (1994–2000)، وهي مرحلة اتفاقيات أوسلو وتحرر الآلاف من الأسرى.
-
مرحلة استعادة الحركة الأسيرة عافيتها (2000–2007)، بعد اندلاع انتفاضة الأقصى وتدفّق الآلاف من الأسرى على السجون.
-
مرحلة الضعف والانقسام في صفوف الحركة الأسيرة بين عامَي (2007–2023)، حيث انقسمت الحركة الأسيرة بفعل الانقسام السياسي في الخارج، وجرى فصل الأسرى الإسلاميين (حماس والجهاد) عن أسرى منظمة التحرير (فتح والشعبية والديمقراطية).
وتُعدّ المرحلة الأخيرة الأخطر في حياة الحركة الأسيرة، حيث ضعفت هذه الحركة ولجانها الوطنية، وبات ممثل المعتقل (الدوبير) يجري تعيينه وفرضه ودعمه من قبل إدارة السجن.
وسعت مصلحة السجون واستخباراتها إلى ضرب الحركة الأسيرة وتفكيكها، لكنها لم تنجح رغم حالة الضعف والترهل التي مُنيت بها في السنوات الأخيرة. وهذا موضوع شائك يحتاج إلى أبحاث معمقة.

