مركز حنظلة_غزة
لم تكن القضية الفلسطينية في يومٍ من الأيام، قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، بل هي قضية العرب وشعوبها الحية، لذا شارك العرب ذكورًا وإناثًا ومن مختلف الجنسيات العربية إخوانهم الفلسطينيين في مقاومة المحتل "الإسرائيلي"، ولأجلها ودفاعًا عنها قدّم العرب آلاف الشهداء والأسرى، إذ لم تخلُ دولة عربية من المشاركة في مقاومة الاحتلال "الإسرائيلي".
فيما السجون "الإسرائيلية" كانت تضم دومًا أسرى عرب، فكان هناك أسرى مصريون، ولبنانيون، وأردنيون، وسوريون وعراقيون، ومغربيون، وسودانيون، وجزائريون، وتونسيون، وسعوديون، وليبيون، وغيرهم، كما وأن قائمة شهداء الحركة الأسيرة لم تخلُ هي الأخرى من الأسرى العرب.
ولعل ما لا يعرفه الكثيرون أن ثمة (أسرى عربًا) ما زالوا هناك خلف قضبان سجون الاحتلال "الإسرائيلي" ويبلغ عددهم اليوم نحو (19) أسيرًا عربيًا، وأن جميع هؤلاء هم أردنيون، بعضهم يحمل الجنسية الأردنية، والبعض الآخر من أصول فلسطينية ولديهم أرقامًا وطنية أردنية.
وأن من بينهم (9) أسرى يقضون أحكامًا بالسجن المؤبد (مدى الحياة) لمرة واحدة أو لعدة مرات، وأنهم يتلقون ذات المعاملة القاسية ويتعرضون لذات الانتهاكات والجرائم "الإسرائيلية"، وإن إدارة السجون لم تميز يومًا في تعاملها وقمعها بين أسير فلسطيني وآخر عربي.
ولربما معاناة الأسرى العرب تفوق معاناة الأسرى الفلسطينيين بسبب حرمان الغالبية العظمى منهم من رؤية عائلاتهم على مدار سنوات طويلة من سجنهم، ومنهم من حرم من رؤية أفراد عائلته طوال سنوات اعتقاله الطويلة.
الأمر الذي دفع أمهات فلسطينيات إلى ابتداع ما يُعرف بـ "ظاهرة التبني" للتخفيف من معاناتهم وتقليل آثار الحرمان، وهذا ما أدى إلى توطيد العلاقة وأواصر المحبة بين الأسرى العرب والعائلات الفلسطينية.
لقد أبدى الشعب الفلسطيني تعاطفه الكبير مع الأسرى العرب، وأولى لهم تقديرًا عاليًا لنضالاتهم وفخرًا بتضحياتهم، وتعامل معهم باعتبارهم جزءًا أصيلًا لا يتجزأ من الحركة الوطنية الأسيرة وتاريخها، وأصبح يحيي سنويًا يومًا خاصًا بهم هو (يوم الأسير العربي) الذي يصادف الثاني والعشرين من نيسان/ أبريل من كل عام، وهو اليوم الذي اعتمدته الحركة الأسيرة، أواخر ثمانينات القرن الماضي، بالتوافق فيما بين الأسرى الفلسطينيين والعرب آنذاك، تكريمًا لهم ووفاء لتضحياتهم، وهو اليوم الذي اعتقل فيه الأسير العربي اللبناني سمير القنطار عام 1979، وكان حينها هو الأقدم من بين الأسرى العرب.
ويُعتبر "القنطار" الأكثر قضاء للسنوات في السجون "الإسرائيلية" بشكل متواصل من بين الأسرى العرب، حيث أمضى ما يزيد عن 29 عام قبل أن يتحرر في صفقة التبادل عام 2008، ويستشهد في غارة "إسرائيلية" استهدفت العمارة السكنية التي كان متواجد فيها في "جرمانا" القريبة من العاصمة السورية "دمشق"، وذلك في مساء التاسع عشر من كانون أول/ ديسمبر 2015.
فيما يُعتبر الأسير العربي السوري صدقي المقت، من هضبة الجولان السورية المحتلة، الأكثر قضاء للسنوات في سجون الاحتلال على فترتين، حيث أمضى ما مجموعه 32 عام، قبل أن يتحرر من الاعتقال الثاني في يناير 2020.
و"الأسرى العرب" هو المصطلح الذي يُطلق على الأسرى العرب (غير الفلسطينيين) الذين يحملون جنسيات عربية مختلفة، وهنا لابد من التوضيح إلى أن الأسرى العرب وأسرى الدوريات، هما مصطلحان مختلفان، لكنهما متشابكان، إذ ليس كل أسرى الدوريات الذين جاءوا من خارج الوطن هم أسرى عرب، وليس كل الأسرى العرب الذين اعتقلوا قد جاءوا وقاوموا المحتل عبر الدوريات.
إن غالبية أسرى الدوريات هم من فلسطينيي الشتات، وشاركهم في ذلك أسرى عرب، فيما بعض الأسرى العرب قاوموا المحتل بعيدًا عن الدوريات، واعتقلوا دون أن يكونوا ضمن الدوريات.
ولعل من فضائل السجن، أنه أتاح لنا فرصة الالتقاء والتعرف على الكثير من الأسرى العرب وعائلاتهم من بلدان وجنسيات عربية مختلفة، ولولا الاعتقال والسجن لما التقيناهم وتعرفنا عليهم، ولما نشأت فيما بيننا علاقات وصداقة نفخر بها ونعتز بوجودها كأسرى محررين.
إن كافة الأسرى العرب، ذكورًا واناثًا، يشكلون مفخرة للشعب الفلسطيني، فهم الذين سطروا بجانب إخوانهم الفلسطينيين أروع صفحات الوحدة والتلاحم والنضال العربي المشترك في مواجهة الاحتلال "الإسرائيلي".
وهم من سطروا معهم صفحات مضيئة خلف القضبان، لذا ستبقى الذاكرة الفلسطينية تحفظ أسماءهم عن ظهر قلب، وكيف للذاكرة الفلسطينية أن تنساهم، وهم جزء من التاريخ الفلسطيني وجزء أصيل من تاريخ عريق سجلته الحركة الوطنية الأسيرة خلف قضبان سجون المحتل، وخطت حروفه بالألم والمعاناة ودماء الشهداء.
وفي حضرة الوفاء للأسرى العرب، لا يسعني إلا أن أتوجه بخالص تحياتي وجل احترامي وتقديري إلى كافة الأسرى العرب في سجون الاحتلال "الإسرائيلي" ولكل الأصدقاء والأشقاء من الأسرى المحررين الذين انخرطوا في النضال من أجل فلسطين ومرّوا بتجربة الاعتقال وذاقوا مرارة السجان "الإسرائيلي"، على اختلاف جنسياتهم وأينما تواجدوا هذه الأيام.
فالتاريخ يحفظ أسماءهم، والشعب الفلسطيني لن ينسى وقفتهم ومشاركتهم ونحن ومعنا كافة الأحرار سنبقى أوفياء لهم ولتضحياتهم، فهم مكون أساسي من مكونات الحركة الأسيرة، وجزء أصيل من مسيرة الكفاح ومقاومة المحتل من أجل فلسطين ومقدساتها.
الكاتب/ عبد الناصر فروانة: أسير محرر، ومختص بشؤون الأسرى، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وعضو لجنة إدارة هيئة الأسرى في قطاع غزة، ولديه موقع شخصي اسمه: فلسطين خلف القضبان

