مشروع كتاب على شكل حلقات بقلم الأسير الأديب كميل أبو حنيش

الكتابة والسجن، الحلقة الرابعة " أكتب..كرسائل البحر"

f6d2772b-6d2d-4c16-aebd-9f708be1bff4.jfif
المصدر / حنظلة

واجهت أثناء الكتابة من داخل السّجن مجموعة من الأسئلة المتشعبة: لمن تكتب؟ ولماذا تكتب؟ وعن ماذا تكتب؟ وهل الكتابة مجرد تنفيس عن الضغوط (فشّة خلق) أم أن الكتابة مسؤولية ورسالة ووسيلة للتّأثير؟ وما هي شروط الكتابة الإبداعية وحدودها؟ وما هي الفئات التي تستهدفها عملية الكتابة؟ وما هو مربع الإنطلاق نحو الكتابة: الحزبيّ، الوطنيّ، القوميّ، الإنسانيّ، الفكريّ، الإيدولوجيّ، السياسيّ، الأدبيّ، الفلسفيّ؟ 

للإجابة عن هذه الأسئلة، يجد الكاتب، أي كاتب، خاصة إذا كان أسيرًا يتعرض للتنكيل المتواصل والضغوط، يجد نفسه في حالة من الارتباك، وصراع داخلي يدور رحاه. عني بالذات، والموضوع ما لم يرتكز على أرضية صلبة يقف عليها، لن يجد المناضل الملتزم والمثقف العفوي صعوبة في عملية الكتابة. فالكتابة في حالة المناضل ليست غاية وإنما تحمل رسالة وطنيّة ونضاليّة وإنسانيّة وبالتالي يجب أن تكون إبداعية.

لقد كنتُ كاتبًا مناضلًا، ملتزمًا بالقضيّة التي أناضل في سبيلها، وفي سبيل القضايا الإنسانيّة العادلة، فكتاباتي تعكس هذا الانتماء وشغفي بالكتابة ينبع من هذا الأساس.

لا يخلو كاتبٌ من نرجسية ما. ومن ناحيتي كنتُ أخشى الإصابة بهذا المرض واستفحاله. غير أنه ثمّة شعرة بين النرجسيّة ونقيضها. فإذا أطربتني كلمة إطراء أو استحسان، فهل يُعد هذا الطرب نوعًا من النرجسيّة. لم أحفل يومًا بهذه التصنيفات ولطالما كنتُ واقعيًا.. فالمرء يطرب للكلمة الطيبة، ويسّر إذا كانت كتاباته معروفه وتنال الإقبال والاستحسان. غير أن المسألة لا تقتصر على الإعجاب وامتداح الكتابات. ثمّة متع أخرى يدركها الكاتب بصورة عامة. أما إذا كان أسيرًا فإن هذه المتع تكون على نحو مضاعف بل ولها ضرورتها في عالم السّجن الطّويل. منه قتل الفراغ وما يخلفه من ضجر... ومنه ترميم ما يخلفه السّجن من دمار في نفسيّة السّجين، ومتعة الدّفاع عن الذّات في وجه إجراءات الطّمس والقمع ومحاولات التّرويض، ومتعة قهر السّجان وإفشال محاولاته الرّامية لإذلال السّجين وهزيمته من الدّاخل، ومتعة هزيمة السّجن وعدم السماع له بالاستيلاء على أعماق الأسير.

يقول الشّاعر البرتغالي فرناندو بيساوا ( عندما أكتب أزور ذاتي بجلال) تنطوي هذه العبارة على بعد فلسفيّ عميق. فالكتابة مرآة تعكس صورة الذّات وفحص أوضاعها وأوجاها والبحث في دهاليزها. وفي حالة السّجن تتجوّل الكتابة في حالة الأسير الكاتب إلى زيارة يوميّة للذّات لمعاينتها وفحص انتكاساتها وأعطابها ولحظات تألّقها وانشراحها. 

من ناحيتي كنتُ بحاجةٍ لاختبار ذاتي وفحص قدراتي على التّحمل والصّبر، وتعزيزها باستمرار... إلى جانب حاجتي لفحص قدراتي الذّهنية إزاء ما يخلفه السّجن من آثار مدمّرة. كان القلم سلاحي وشرطًا من شروط مواصلتي للمعركة مع الذات ومع السّجان على حدٍ سواء... وقد كنتُ أتساءل في كل يوم أكتب فيه: هل ما زلتُ كما أنا؟ أم أن السّجن أفلح في اختراقي وهزيمة إرادتي الثّائرة؟ وهل من الممكن أن يزل قلمي يومًا وأنتج أدبًا مهزومًا ومرتجف الساقين؟ أيأتي يومٌ وأتملق الأعداء واستجديهم؟ لقد شكلت هذه الأسئلة المتوترة عناصرَ مهمةً ومحفزة لمواصلة الكتابة والبحث عن أشكال جديدة للإبداع. 

إذاً فالكتابة من قلب السجن تعد انتصارًا مهمًا للسّجين، وقهرًا للسّجان وأدواته ومشاريعه، إنها شكلٌ من أشكال الحريّة التي يحظى بها السّجين حتّى لو بقي سجينًا. بوسعك من خلال الكتابة أن تكسر القيد بانتصارك على فكرة السّجن، وتحويل المساحات الجافّة إلى واحات تنبض بالحياة. فالسّجين ينجز نصف حريته إذا تحرّر من فكرة السّجن.

هذا على صعيد الحاجّة للكتابة صونًا للذّات وحمايتها من التكلّس والانزلاق، أما الجمهور المتلقّي فقد خيّل لي أنّ الكتابة من قلب السّجن تشبه الرسائل التي تلقّى في البحر، وموجهة لكل من يهمّه الأمر. تمضي الرّسالة في عرض البحر، تسيرها الأمواج ويلتقطها بعضهم مصادفةً فيعثرون بداخلها على ما هو مثير واستثنائيّ ومدهش أو حتى اعتيادي. فطالما كانت الكلمات سلاح المغلوبين على أمرهم في التّاريخ.

ثمّة رسائل تحملها الكلمات، ودائمًا تنتصر الكلمة على الجلّادين والطّغاة على مرّ العصور. تَعرَّضَ الكثيرون للظلم لكنّهم ابتسموا أمام الجلّاد قبل ذهابهم للمقصلة وإعداد المشانق والسّجن المؤبد. وكما يقول شكسبير ( إذا ابتسم المهزوم فقد المنتصر لذّة النّصر). 

هكذا كانت كتاباتي. ابتسامة أسير في وجه السّجان لم تلبث أن تحولت إلى قهقهات وكان مثلي، تلك الأعداد الفقيرة من المظلومين في التّاريخ. فلطالما وصلت إلينا كلماتهم على أمواج بحر التّاريخ. فنتلقنها ولو بعد آلاف السّنين. 

في السّنوات العشر الأولى من رحلة الكتابة من قبل السّجن لم تكن كتاباتي تحظى بالاهتمام الكافي، نتيجة لعوامل سنأتي على ذكرها في السّياق، غير أنّني كنت عنيدًا ومثابرًا ومؤمنًا برسالة الكلمة. كنت أكتب وحسب... ألقي بكتاباتي في حقائبي لسنوات إلى أن تسمح الظّروف بتسريبها خارج الجدران، وبدورها تمضي السّنوات في البيت. وكنت أقول في نفسي إذا كان لها حظّ ونصيب من الإبداع ستجد طريقها إلى النّور في يوم من الأيّام، وستجد من يتلقفها ويكتب عنها ويتأثّر بها، ويهتم لشأنها. وإذا لم يحالفني الحظّ يكفيني عندها شرف المحاولة... فهي في الحدّ الأدنى ساهمت في تبريد فراغي وأنقذتني من الوقوع في هاوية الضّجر، وحمت روحي من التكلّس وأبقتني في قلب المعنى، وساعدتني في عدم الوقوع في العدم.

وبهذه الطّريقة كنتُ أطوي عامًا بعد آخر في الأسر. دون أيّ شعور بالبؤس والمعاناة. كنتُ دائمًا أشكو من قلّة الوقت لإنجاز الكتابة. لم أشعر بالزمن . مضى وقت الأسر سريعًا بفعل الكتابة وبعد السّنة العاشرة، أخذت تلك الكتابات ترى النّور تباعًا، وبدأت ألمس الاهتمام والتّقييم الإيجابيّ والتّشجيع، وصلتني في السّنوات الأخيرة مئات الرّسائل من شتّى بقاع العالم، وتعارفت على أصدقاء لم أتوقع يومًا أن أراسلهم أو يراسلوني، أو أستمع لصوتهم ويستمعوا لصوتي في هذه العزلة القسرية القاسية، تأثّرت بكلماتهم الدّافئة والطّيبة، وشاركتهم كتاباتهم وأشعارهم، وتفاعلت معها بالكتابة والنّقد. تلك الرّوايات والنّصوص الشّعرية الّتي نامت بحقائبي لسنوات، وتعفّنت أوراقها، باتت اليوم تنتشر في كل مكان وتعرض في المعارض في غالبية العواصم العربية، ومقالاتي ودراساتي وقصائدي تنشر في المواقع والصحف. إذًا بدأت عملية الكتابة تثمر. صار هناك من يلتقط الرّسائل من بحر الزمن. أسعدني الإنجاز، وواظبت على الكتابة. كنت أكتب بصمت وأقدم واجبي تجاه الحياة. 

مضت سنوات طويلة، ولم يتوقف قلمي يومًا واحدًا إلا في مرّات قليلة واستثنائية، كالإضرابات، الزّنازين، النّقل، البوسطات، حوادث وتطورات... فعملية الكتابة منهكة وممتعة في ذات الوقت. كما أنّها ليست للتّنفيس واستعراض العضلات الكتابية، إنها رسالة... رسالتنا نحن القابعين على هامش الزّمن، والمدفونين تحت رمال الإهمال، واللامبالاة... نخطها لكلّ من يهمّه الأمر... ولدينا ثقة أنّ كثيرين يهمهم أمرنا. وإلى أن يأتي يوم الحرية، سأواظب على قذف رسائلي في بحر الزمن. فالتقطوها إن أردتم...