ادخل كلمات البحث ...

مثال: الاسير المحرر ...

الأسير كميل أبو حنيش يكتب من قلب زنزانته مقال بعنوان إيران وإسرائيل بالحسابات الإستراتيجية

إيران وإسرائيل بالحسابات الإستراتيجية

لا يمكن عزل الأزمة الأخيرة بين إيران من جهة وبين الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة من جهةٍ ثانية عن سياقها وصرورتها المتدحرجة منذ أكثر من أربعة عقود وخاصةً في العقديين الأخيرين ضمن سياق من الشد والجذب والمناورات السياسية والحروب بالوكالة، استغرقت هذه المدة الزمنية الطويلة كما لا يمكن عزلها عن الحسابات الإستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة.

ولو كانت إيران في منطقة أخرى ومشروعها لم يتصادم مع المشروع الصهيوني في المنطقة لما استنفذت أزمتها كل هذا الوقت فقد كانت استدعت مقاربات أخرى تختلف عن المقاربات التي أديرت من خلالها هذه الأزمة طوال هذه السنوات بيد أن وجودها في هذه المنطقة وصراع مشروعها مع المشروع الصهيوني في المنطقة استدعت مثل هذه المقاربة وقادت إلى استعصاء في إمكانية الحل السياسي وهو ما يفتح الباب على احتمالات أخرى منها الخيار العسكري كما جرى مع العراق وانتهت باحتلاله وأدت إلى نتائج كارثية على المنطقة باستثناء إسرائيل التي كانت تدفع وتشجع الولايات المتحدة على هذا الخيار وخرجت الكاسب الوحيد من هذه الحرب وتحققت لها مكاسب إستراتيجية طويلة الأمد.

ولكن إذا افترضنا أن الولايات المتحدة قد تعلمت درساً قاسياً من حربها على العراق جعلها تعيد حساباتها مع كل مواجهةٍ مماثلة، الأمر الذي سمح بإدارةٍ عقلانية كإدارة "أوباما" تتجنب مثل هذه المواجهة مع إيران وفضلت أن تصل إلى اتفاق معها فما الذي دفع إدارة "ترامب" للتنصل من هذا الاتفاق الذي من شأنه أن يدفع المنطقة والعالم إلى أزمة غير مسبوقة؟

الإجابة على هذا السؤال سنجدها في إسرائيل إذا شئنا الدقة لدى نتنياهو تحديداً فإسرائيل التي يقودها نتنياهو منذ عقد وعلى ما يبدو سيقودها لسنوات طويلة قادمة ترى بإيران قوة تشكل خطراً كبيراً على طموحاتها في المنطقة، فإيران تمتلك جيشاً قوياً معززاً بترسانة ضخمة من الأسلحة المتطورة وعملياً هو الجيش الوحيد المتبقي في المنطقة والذي يحول دون استكمال المشروع الصهيوني لمهامه في هيمنة مطلقة على المنطقة، وهي أيضاً لديها مشروع نووي ولها وجودها وأذرعها الفاعلة في العراق وسورية ولبنان واليمن وتعتبر داعمة مهمة لقوات المقاومة الإسلامية الفلسطينية، وهي كذلك دولة نفطية وتسعى للتحول إلى دولة نووية تؤهلها للتحول إلى إمبراطورية إقليمية وهذا المشروع من شأنه أن يتصادم بالضرورة مع المشروع الإسرائيلي وطموحاته في تحويل إسرائيل إلى إمبراطورية ذات شهرة قوية ووحيدة تهيمن على كامل المنطقة في إطار المشروع الأمريكي الأوسع والأشمل.

إن كل هذه الأسباب وغيرها تجعل من إسرائيل دولة قلقة على مستقبل مشروعها وأن أية تسوية مع إيران من شأنها أن تضر بحسابات إسرائيل الإستراتيجية وبهذا فإن التصادم ما بين المشروعين الإيراني والإسرائيلي مسألة حتمية، ولكن كيف يمكن لإسرائيل التخلص من المعضلة الإيرانية؟

إن إسرائيل بوصفها دولة استعمارية استيطانية توسعية تظل محكومة لطبيعتها العدوانية في إطار دورها الوظيفي للمشروع الاستعماري الإمبريالي العالمي ولا يمكن لها أن تسمح ببروز قوة تنافسها أو تشكل خطراً على طموحاتها خاصةً إذا كانت مثل هذه القوة لها طموحاتٍ إمبراطورية إقليمية كإيران وفوق كل ذلك معادية لإسرائيل.

وعندما تقول إسرائيل بأن إيران تشكل خطراً وجودياً عليها فليس المقصود بذلك الإبادة وتدمير إسرائيل كما يحاول الصهاينة الترويج بهدف ابتزاز الغرب وكسب عطف العالم، وإنما تقصد إسرائيل بأن دولة كإيران بمشروعها تشكل عقبة كبيرة أمام تطور المشروع الصهيوني الذي وصل إلى ذروة تطوره في هذه المرحلة التاريخية ويسعى لإخضاع المنطقة والهيمنة عليها.

فإسرائيل لا يمكنها التسليم ببقاء مثل هذه القوة وستسعى إلى حسمها وتدميرها وهي تبذل جهوداً منذ سنوات للتخلص من إيران وبأقل التكاليف، وحالياً تجد إسرائيل ذروتها بإدارة ترامب الطيعة التي تساومت تماماً مع نتنياهو في التنصل من الاتفاق النووي مع إيران وفي فرض عقوبات قاسية عليها، كما أن تناقضات إيران مع دول المنطقة لا سيما دول الخليج الغنية بالنفط والمال والتي ذهبت إلى أبعد مدى في تحالفها مع إسرائيل واستعدادها للتساوق معها في أي مخطط من شأنه يؤدي إلى تدمير إيران فضلاً عن انشغال العالم العربي بحروبه وأزماته الداخلية وعدم وجود أي قوة مركزية في المنطقة، فإن كل هذه العوامل تشجع إسرائيل أن تتقدم خطوات إلى الأمام لأن الأجواء سانحة تماماً وفرصة قد لا تتكرر إن لم تحسن استغلالها.

والمعادلة الإيرانية مختلفة عن المعادلة العراقية، فإسرائيل تدرك جيداً أنه لا يمكن تكرار سيناريو العراق لان إيران تملك عدداً من الأوراق التي وفرت لها قدرة بارعة على المناورة، فإيران تتغلغل في عددٍ من دول المنطقة المحاذية لدولة الكيان تحديداً وعلاقاتها الدولية متشبعة وهي متواجدة بقوة وتسيطر عملياً على مضيق هرمس ولها وجود في باب المندب والأهم أنه لا يوجد حصار عليها كما كان الأمر مع العراق وتمتلك ترسانة ضخمة من الأسلحة وفوق كل ذلك وقعت اتفاقاً مع مختلف القوى الفاعلة في العالم قبل انسحاب الولايات المتحدة وحدها من هذا الاتفاق مما أضعف الموقف الأمريكي الاسرائيلي وجعل إيران في موقف الشرعية الدولية، وهذه الأوراق لم تكن متوفرة للعراق الذى عانى من سلسلة من الحروب المتتالية وفرض عليه حصاراً لمدة إثني عشر عاماً قبل أن يجري احتلاله وتدميره.

وإسرائيل تدرك جيداً أنه ليس بمقدورها مواجهة إيران وهزيمتها وأن مثل هكذا حرب ستكون مكلفة للغاية وقد اختارت إسرائيل سناريو استنزاف إيران اقتصادياً وهي التي قدمت لترامب خطة العقوبات الاقتصادية المتدحرجة وهذه العقوبات تعتبرها إسرائيل أداة ناجعة في استنزاف إيران وإضعافها وإضعاف حلفائها وفي حال لم ينجح هذا السيناريو في إسقاط إيران وتحويل الحكم فيها فإن الخيار العسكري هو الخيار المتبقي والمفضل لإسرائيل.

وتسعى إسرائيل لتوريط إيران في حرب إقليمية وتطمح في تشكيل تحالف عربي على غرار التحالف في حرب اليمن الحالي تلعب فيه إسرائيل دور الداعم والمخطط ومد هذا التحالف لمعلومات استخباراتية وصولاً إلى تشكيل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة لتدمير إيران وتحويل الحكم فيها.

إن الحرب ليست واردة في المدى المنظور ولكن إسرائيل تتوقع أنه في الأعوام القادمة وفي ضوء وحلفائها فإن اختراع حرب إقليمية ستكون مسألة ممكنة، وفي الوقت الذي سيجري فيه تحطيم قوة إيران تكون مستعدة في ذات الوقت لشن حرب مدمرة على لبنان وغزة وربما سورية وبهذا فإن مثل هكذا حرب ترى فيها إسرائيل من أهم الحروب في تاريخها على الإطلاق فهي:

أولاً/ توفر لها فرصة للقضاء على كافة خصومها دفعةً واحدة.

ثانياً/ تكون مثل هذه الحرب شرعية من ناحية إسرائيل لأنها تأتي في إطار حرب عالمية على "الإرهاب".

ثالثاً/ إن مثل هذه الحرب ستفتح الطريق أمام إسرائيل للهيمنة على المنطقة وبدون أي عقبات.

 

 وتخشى إسرائيل من إمكانية تورطها بحربٍ خارج حساباتها وغير مستعدة لها فطوال السنوات الماضية حاولت أن تتحاشى حرباً جديدة مع قطاع غزة مركزة أنظارها على ما يجري لإعاقة تمدد إيران في سورية كما أنها حاولت أن تتجنب حرباً مع حزب الله إيران بأن حرباً على هذا النحو هذه المرحلة ستكون كارثية بالنسبة لها.

يتعين علينا أن ندرك أن المشروع اليهودي وصل إلى ذروة تطوره في العقد الأخير مع حكومة نتنياهو وهذا المشروع إما أن يتقدم خطوة أٌخرى مع حكومة نتنياهو القادمة من خلال إخضاع دول المنطقة للهيمنة الإسرائيلية وإما أن يفشل وتبدأ عملية التقهقر التدريجي لهذا المشروع.

أما الأهم فموقف العرب إزاء المشروعين الإيراني والصهيوني؟ يتعين على العرب أن يحددوا موقعهم واتجاههم في خارطة المنطقة وإذا كان البعض يحذر ويتخوف من الطموحات الإيرانية عليه أن يتخوف ايضاً من الطموحات الإسرائيلية وبدلاً من التطور في أحلاف مشبوهة قد تجلب الدمار شامل للمنطقة يتعين على العرب أن يكون لهم مشروعهم الخاص الذي يحفظ لهم أمنهم القومي بل ويحفظ لهم وجودهم ويضمن لهم البقاء في  التاريخ والجغرافيا.