مركز حنظلة_فلسطين المحتلة
لم تكن آمال غازي الريفي تريد من عودتها إلى قطاع غزة أكثر من أن تستكمل علاجًا لم تنتهِ فصوله، وأن تكون بين أبنائها وأحفادها في مواجهة مرضٍ ينهش جسدها منذ سنوات. كانت تحمل معها ما تبقّى من أمل في استكمال جلسات العلاج الكيماوي، بعدما عاد السرطان أشدّ شراسة، وامتدّ إلى رئتيها، وأثقل جسدها وتعبها النفسي.
لكن الطريق الذي اختارته آمال للعودة إلى عائلتها لم ينتهِ عند البيت الذي انتظرتها فيه أسرتها، ولا عند المستشفى الذي كان يفترض أن تواصل فيه علاجها؛ ففي العشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2026، اعتقلتها قوات الاحتلال مع ابنتها ياسمين رفعت الريفي (33 عامًا)، أثناء عودتهما إلى قطاع غزة عبر معبر رفح البري، لتتحوّل رحلة العودة إلى بداية فصل جديد من الخوف والانتظار، لا تعرف فيه العائلة مصير المرأتين، ولا تستطيع الاطمئنان على صحة أمّ تواجه السرطان، أو ابنة أُبعدت عن طفلتها وأسرتها.
منذ ذلك اليوم، لا تنتظر عائلة الريفي موعدًا طبيًا جديدًا لآمال، ولا خبرًا عن تحسّن حالتها الصحية؛ بل تنتظر معلومة تؤكد أن الأم وابنتها بخير، وتكشف مكان احتجازهما وظروف اعتقالهما، بعدما انقطعت أخبارهما، وسط مخاوف من أن تدفع آمال ثمنًا مضاعفًا لمرضها، بحرمانها من العلاج الذي عادت إلى غزة بحثًا عن استكماله.
من استئصال الثدي إلى انتشار السرطان في الرئتين
تعود بداية رحلة آمال مع المرض إلى عام 2015، حين أُصيبت بسرطان الثدي، وخضعت لعملية جراحية لاستئصال الثدي، أعقبها علاج كيماوي وإشعاعي. وبعد فترة، عاد المرض مجددًا بصورة أكثر شراسة، ما اضطرها إلى الخضوع لعملية جراحية أخرى، ثم التوجّه إلى مستشفى المطلع في القدس لتلقي جلسات الإشعاع.
غير أن المرض لم يتوقف عند ذلك الحد؛ فخلال الحرب، عاد السرطان ليهدّد حياتها من جديد، وأظهرت الفحوصات انتشاره إلى الرئتين، لتبدأ مرحلة أخرى من المعاناة، مع الحاجة إلى علاج متخصص ومتابعة طبية مستمرة.
وبناءً على تحويلة من وزارة الصحة، بدأت آمال رحلة العلاج في مصر بتاريخ 15 فبراير/شباط 2025، متنقلةً بين مدينة أسوان ومستشفى قنا، حيث خضعت لعمليات جراحية وجلسات كيماوية متعددة، في محاولة للسيطرة على المرض والحدّ من انتشاره، لكن النتائج الطبية كشفت أن السرطان ينتشر بوتيرة أسرع، وأن العلاج يحتاج إلى وقت أطول مما كان متوقعًا. ومع أخذ خزعات من الرئة لتحديد طبيعة المرض وحجمه، باتت رحلة العلاج أكثر تعقيدًا، دون موعد واضح لنهايتها.
وتوضح ابنتها ميسون رفعت الريفي، في حديثها لـ "بوابة الهدف"، أن والدتها كانت قد بدأت جلستين من أصل ست جرعات كيماوية مقررة ضمن المرحلة العلاجية، إلى جانب مراحل أخرى لم يكن ممكنًا تحديد مدتها مسبقًا، نظرًا إلى طبيعة المرض وانتشاره.
وهكذا، وجدت آمال نفسها أمام معركة طويلة مع السرطان، تتداخل فيها الآلام الجسدية مع الإرهاق النفسي، فيما بقيت نهاية الرحلة العلاجية مفتوحة على احتمالات كثيرة.
"بدي أموت بينكم وبغزة" حين يصبح البيت جزءًا من العلاج
لم تكن عودة آمال إلى غزة قرارًا منفصلًا عن حالتها الصحية والنفسية، ولا تعبيرًا عن تخليها عن العلاج؛ بل جاءت، وفق رواية ابنتها، بعد تدهور حالتها النفسية وشعورها بأن استمرارها بعيدًا عن أسرتها بات يفوق قدرتها على الاحتمال.
وتقول ميسون إن والدتها عبّرت عن خوفها من مواصلة العلاج في مصر بعيدًا عن أبنائها وأحفادها، وقالت بالحرف الواحد: "إذا ضليت أتعالج هنا رح أروّح بتابوت، أنا بدي أموت بينكم وبغزة".
لم تكن العبارة، كما ترويها ابنتها، إعلانًا عن الاستسلام للمرض، بقدر ما كانت تعبيرًا عن حاجة أمّ أنهكها العلاج والغربة إلى أن تكون بين أفراد أسرتها، وأن تواجه ما تبقّى من رحلتها في المكان الذي تنتمي إليه.
وتضيف ميسون أن العائلة تواصلت مع الأطباء في قطاع غزة، وتأكدت من توفر نوع العلاج الكيماوي الذي تتلقاه والدتها، ما عزّز قرار العودة لاستكمال العلاج داخل القطاع، بدلًا من البقاء في مصر في ظل تدهور حالتها الصحية والنفسية.
وكانت هناك أسباب عائلية أخرى دفعت إلى العودة؛ إذ كانت ياسمين، ابنة آمال ومرافقتها خلال رحلة العلاج، تحتاج إلى الرجوع لطفلتها التي تعيش في حضانتها.
وبين الحاجة إلى استكمال العلاج، والرغبة في العودة إلى الأسرة، ومسؤولية ياسمين تجاه طفلتها، اتخذت المرأتان طريق العودة إلى غزة. غير أن الرحلة التي كان يُفترض أن تعيدهما إلى حياتهما اليومية، انتهت باعتقالهما على المعبر، قبل أن تتمكنا من الوصول إلى أحبائهما.
انتظار عند مجمع ناصر.. وخبر الاعتقال يبدّد فرحة العودة
في مستشفى ناصر الطبي بمدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة، كانت العائلة تنتظر عودة آمال وياسمين، مترقبةً لحظة وصولهما بعد رحلة طويلة من العلاج والغياب.
وكان وسيم سائد شرير، حفيد آمال، بين المنتظرين في مجمع ناصر الطبي، حيث تجمعت الأسرة على أمل أن تراهما مجددًا، وأن تبدأ مرحلة جديدة من استكمال العلاج وسط الأهل. لكن الانتظار طال، ولم تصل المرأتان إلى نقطة عودة المسافرين ومع غياب أي تفسير لوصولهما، بدأت العائلة تسأل العائدين، وتحاول معرفة ما حدث على معبر رفح.
وبحسب إفادات العائلة، أبلغ مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" حفيد آمال باعتقال جدته وخالته من قِبل قوات الاحتلال، لتنقلب لحظة الانتظار من ترقّب للقاء إلى صدمة لا تملك الأسرة إزاءها سوى البحث عن معلومة.
وأشار وسيم في حديثه لـ بوابة الهدف ، إلى أن جدته مصابة بسرطان الثدي والرئة، مطالبًا الجهات الدولية والحقوقية بالكشف عن ظروف اعتقالهما وأسبابه، والعمل على ضمان سلامتهما والإفراج عنهما.
ولم تكن العائلة، وفق ما أكدته ميسون، تتوقع أن تنتهي رحلة والدتها وشقيقتها بهذا الشكل؛ إذ تقول إنه لم تكن هناك أي مؤشرات على ما سيحدث، وإن عودتهما كانت مرتّبة على أساس استكمال العلاج ولمّ شمل الأسرة.
وتضيف أن المرأتين اعتُقلتا في أثناء العودة عبر معبر رفح، رغم وجود جهات ومنظمات دولية، من بينها الاتحاد الأوروبي والصليب الأحمر ومنظمة الصحة العالمية ومكتب «أوتشا»، وفق روايتها.
ومنذ ذلك الحين، حاولت الأسرة التواصل مع جهات مختصة عدة لمعرفة مكان احتجازهما، لكنها لم تحصل على معلومات تطمئنها بشأن مصيرهما أو وضعهما الصحي والقانوني.
اعتقال وتمديد حتى ديسمبر.. والعائلة بلا إجابات
لم يتوقف قلق الأسرة عند خبر الاعتقال؛ إذ أفادت عائلة الريفي بتمديد اعتقال آمال وابنتها ياسمين حتى الثالث من ديسمبر/كانون الأول 2026، من دون السماح لهما بلقاء محامٍ، وفق المعلومات التي تلقتها العائلة والجهات الحقوقية.
وأعلن المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى تمديد احتجازهما حتى الموعد المذكور، مطالبًا بالإفراج الفوري عنهما، وبتدخل دولي عاجل لضمان سلامتهما ووضع حدّ لاعتقال الفلسطينيين أثناء سفرهم أو عودتهم عبر المعابر.
وبالنسبة إلى آمال، لا يرتبط القلق فقط بظروف الاحتجاز أو غياب المعلومات القانونية، بل يتصل مباشرة بحياتها وصحتها؛ فهي امرأة في الستين من عمرها، تعاني سرطانًا انتشر إلى الرئتين، وكانت في حاجة إلى استكمال علاج كيماوي لم تنتهِ مراحله، ومتابعة طبية لا تحتمل الانقطاع الطويل.
وترى العائلة أن استمرار احتجازها، مع عدم معرفة ما إذا كانت تتلقى الرعاية الطبية اللازمة، يضاعف المخاوف من تدهور حالتها الصحية والنفسية، في وقت لا تستطيع فيه التواصل معها أو الاطمئنان على احتياجاتها العلاجية.
وتناشد ميسون الجهات المعنية التدخل العاجل للإفراج عن والدتها وشقيقتها، والسماح لهما بلقاء محامٍ، والكشف عن مكان احتجازهما وظروفهما الصحية والقانونية، مؤكدة أن الأسرة لا تملك حتى الآن معلومات كافية عن وضعهما.
وتزداد وطأة الانتظار على العائلة في ظل الأعباء التي خلّفها الاعتقال؛ فآمال مسؤولة عن إعالة أربعة أيتام، فيما تتولى ياسمين رعاية طفلتها التي تعيش في حضانتها. وبذلك، لم يُحرم أفراد الأسرة من وجود المرأتين فحسب، بل وجدوا أنفسهم أمام مخاوف متزامنة على حياتهما، ومستقبلهما، وعلى الأطفال الذين ينتظرون عودتهما.
آمال وياسمين.. حالة ضمن مخاوف أوسع على العائدين إلى غزة
لا تبدو قضية آمال وابنتها معزولة عن المخاوف الحقوقية المتصلة بسلامة الفلسطينيين أثناء تنقلهم من قطاع غزة وإليه، خصوصًا المرضى والعائدين من رحلات العلاج، الذين يعتمدون على المعابر للوصول إلى الرعاية الطبية أو العودة إلى أسرهم بعد فترات طويلة من الغياب.
ووفق معطيات أُعلنت حتى 22 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ارتفع عدد الفلسطينيين الذين اعتقلتهم سلطات الاحتلال أثناء سفرهم أو عودتهم عبر معبري رفح وكرم أبو سالم إلى سبعة مواطنين، بينهم سيدتان، بحسب ما أعلنه مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان علاء السكافي، ونقله المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى.
وسبق اعتقال آمال وياسمين، في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، اعتقال الشاب محمد جهاد الشوربجي، البالغ من العمر 24 عامًا، من سكان مخيم النصيرات وسط القطاع، أثناء عودته من مصر عبر معبر رفح.
وفي الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، أفادت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان بأنها تمكّنت من معرفة مكان احتجازه، موضحة أنه موجود في سجن عسقلان، وأن توقيفه مُدد حتى 18 نوفمبر/تشرين الثاني، مع الإشارة إلى منعه من الزيارة حتى 20 أكتوبر/تشرين الأول.
وتعيد هذه الحالات طرح أسئلة بشأن الضمانات المتاحة لحماية المسافرين عبر المعابر، ومدى فاعلية الإجراءات المتخذة لضمان سلامتهم، لا سيما في ظل حاجة مرضى قطاع غزة إلى السفر لتلقي العلاج، ثم العودة إلى القطاع لاستكماله.
وكان المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى قد أثار تساؤلات بشأن دور البعثة الأوروبية العاملة في معبر رفح، والضمانات التي يفترض أن تحمي المسافرين من الاعتقال خلال العبور، داعيًا إلى تدخل دولي يضمن سلامتهم ويحول دون تكرار هذه الوقائع.
وبالنسبة إلى عائلة الريفي، لا تبدو هذه الأسئلة بعيدة عن واقعها؛ فهي لا تبحث فقط عن إجابة بشأن ما حدث على المعبر، بل عن ضمانة تتيح لها معرفة مصير امرأتين خرجتا من مصر باتجاه غزة، ولم تصلا إلى البيت الذي كان ينتظرهما.
سرطانٌ لا ينتظر واعتقالٌ يطيل الغياب
بين جرعات علاج لم تكتمل، وغيابٍ لا تعرف العائلة نهايته، تبقى آمال وياسمين خلف المجهول، فيما تنتظر أسرتُهما خبرًا يطمئنها ويكشف مصيرهما. عادت آمال إلى غزة لتستكمل علاجها بين أهلها، لكنها وجدت نفسها بعيدة عنهم، تواجه المرض والاعتقال معًا. واليوم، لا تطالب العائلة سوى بالكشف عن مكان احتجازهما وظروفهما الصحية والقانونية، وضمان حصول آمال على العلاج اللازم، والإفراج عنهما، كي تعود الأم إلى طفلتها، وتستأنف رحلتها نحو الشفاء بين أحبّائها، بدلًا من أن تبقى أسيرة الغياب والانتظار.

