" غيتو غزة"
مبادرة مقدمة من منظمة الجبهة الشعبية بسجون الاحتلال
قيل وكتب الكثير بشأن وحول الحصار على القطاع، هذا الحصار الذي يشارك به ليس العدو وحده وإنما دول المحور، هذا المحور الذي يبدأ من " تل أبيب" مروراً بأكثر من مدينة وعاصمة عربية حيث مصالح أطرافهم التقت، حيث لم تلتقِ بمصالح لحظية وإنما لقاء مصالح استراتيجية، الأمر الذي قد يزيد الحصار على قطاع غزة ويضيق الخناق لأمد طويل، لهذا بات من الضروري التفكير خارج الصندوق والخروج بوسائل ومفردات وخطاب جديد قد تكون باعتقادنا قادرة أكثر على هز الضمير العالمي، وذلك من خلال مفردات يفهمها العالم أكثر لاسيما المجتمع المدني في الدول التي لا زال فيها مجتمع مدنياً نابضاً بالحياة.
لقد تخلف الخطاب الفلسطيني السياسي إلا فيما ندر ونجده إما شعراً وأدباً، وذلك بفعل النكبة الفلسطينية وما أفرزته من واقع ومهام وبفعل عوامل سياسية وثقافية لم تكن ناضجة تتيح مثل هذه الاستفادة.
إن المفردات التي ندعو لاستخدامها تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية وتحديداً أثناء محاكمات نورنبيرغ، والتي تكشفت بشأن المحرقة النازية، لقد سُكب في الوعي الجمعي الأوروبي خاصة الغرب بصورة عامة مجموعة من المصطلحات والمفردات التي انتجتها مثل هذه المحاكمات وتم تقديمها بطريقة درامية وسينمائية منها " الغيتو – معسكر إبادة – مسيرة الحياة " وبعض الرموز والإشارات كالشارة الصفراء التي أُجبر اليهود على حملها مطرزة على ملابسهم " كلاي ساهوف" بهدف تمييزهم عن باقي المواطنين، وأخيراً الرقم التسلسلي الذي حُفر على أذرعتهم رجالاً ونساءً وأطفالاً .
وإذا كان الغيتو الألماني هو المحطة الأولى قبل نقل سكانه إلى معسكرات الإبادة أو " محطات التجميع"" الحل النهائي للمسألة اليهودية" فإن غيتو غزة هو الحل النهائي حتى تبقى غزة فوق الصفر وتحت التوريط، أي دون الحياة الإنسانية الكريمة وفوق الموت، وبالتالي فإن وجه الشبه بين ما يجري في غزة وبين ما جرى في أوروبا أوساط الأربعينات هو كبير، بل أن غزة تجمع بين الغيتو والحل النهائي للمسألة الفلسطينية كما يريد أن يراها اليمين الصهيوني الفاشي الذي يعمل جاهداً على تطبيقها.
إنما ما ندعو له هو وضع مرآة أمام الإسرائيلي مجتمعاً ونخباً، مرآة تعكس لغة يعرفها لكنه لا يفهمها إلا في سياقه الصهيوني بصفته الضحية الوحيدة بالتاريخ ليس كيهودي وإنما كصهيوني، بل هي مرآة أمام العالم لاسيما الغربي الذي لا يرى جلادنا إلا بمنظار كونه ضحية . إن هذه المرآة كما ندعو لها تصف الكارثة الإنسانية التي جرت بالغرب بمجمل استخلاصاتها كتجربة عن الصهيونية التي نجحت حتى الآن أن تستثمرها وأن تضعها في رصيدها السياسي والدعائي، إن استخدام رموز التجربة الإنسانية في أوروبا وما نتج عن محاكمات نورنبيرغ من تراث إنساني وقيمي قانوني لا تقلل من مكانة وأهمية التجربة الفلسطينية وقدسيتها وعدالتها الإنسانية كحق. إن إطلاق لفظ حصار " siege" أو حصار اقتصادي أو ضغط على ما يجري في غزة يخلق في ذهن القارئ المتضامن الذي لم يزر غزة تداعيات تشبه التداعيات التي تخلقها نفس اللفظة على ما يجري في كوريا الشمالية وإيران. إن هذه اللفظة تستخدم في ليبيا بكثافة بشأن الحصار الدولي، ولا تحمل أية معاني التي يريدها المواطن الغربي أن ينقلها للعالم بلفظة واحدة، لهذا لماذا لا يتم إطلاق لفظة " غيتو" على ما يجري في غزة، فغزة ليست دولة محاصرة، وكأن هناك توازن بين الُمحاصِر والمُحاصَر.
لفظة" غيتو" مشحونة بالمعنى الذي فقد عبر عشرات السنوات من برامج التربية والتعليم الأوروبي والعالمي . إنها لا تعني حصاراً فقط، وإنما تجويع، وليست تجويعاً عبثياً وإنما تجويعاً ممنهجاً وفقاً لرؤية عنصرية عرقية، وليست حصاراً لدولة لها حدود أخرى مفتوحة يمكنها إن أرادت استخدامها إنما غيتو محكم ومغلق حول مجتمع أو جزء من المجتمع الفلسطيني .
لقد حان الوقت أن نستخدم بكثافة لفظة " غيتو" بشأن ما يجري في غزة وفي على أشكالها وفي البيانات للفصائل والقوى السياسية، كما نرى أن تتضمن فعاليات هذا الشهر رموزاً مشهدية كأن يرتدي بعض المشاركين على ثيابهم وصدورهم هلالاً باللون الأخضر وأن يكتب على أذرعتهم أرقاماً على أذرعهم كما فعلت النازية بمواطنيها اليهودي، وأن يكتب يافطة على الحدود وكتب عليها بالألمانية "Arbeit Macht Frei"، أي: العمل يُحرّر. وأن يؤخذ نموذج هذه اليافطة من الانترنت وأن تتطبق بإتقان ودقة وبطريقة تظهر فيها معاناة أهل غزة والجرائم التي ترتكب بحقهم كما حدث في معسكرات الإبادة.
إن التّحول في الخطاب والمفردات كما نقترحه من شأنه في أقل من الممكن أن يجعل باحثاً في جوجل عن مفردة غيتو بألا يفصل الغيتو الذي حولته اليهودي حكراً لها تستخدمه لتغييب الفلسطيني كضحية وإنما سيصادف في بحثه الغيتو الغزي كما أن تغيير في الخطاب الأمامي بهذا الاتجاه يعني فيما يعني :
1) ما يجري في غزة إن لم يكن إبادة جماعية فهو إبادة سياسية وحضارية لجماعة بشرية، قد يؤدي إلى إبادة جماعية فعلاً عبر التجويع وحروب الإبادة التي خاضتها "إسرائيل".
2) غيتو غزة يؤكد أن الدروس والعبر التي خاضتها محاكم روزنبرغ كان أول مخترقيهم أبناء وأحفاد ضحايا النازية وبالتالي إن هذه الدروس لم يتم تعلمها ودليل ذلك غيتو غزة.
3) ليست الصهيونية وريثة هذا التراث الإنساني ولا يحق أن تدعي ملكيته أو القيم الأخلاقي عليه لاسيما وهي تحاصر غزة وترتكب نفس الممارسات النازية بالتجويع والابادة والعنصرية.
وأخيراً، إن ممارسات الاحتلال الصهيوني تحاكي ممارسات الاحتلال النازي والإجراءات العنصرية التي تتخذ ضد الفلسطينيين شبيهة بتلك التي ارتكبتها النازية بحق اليهود ويجب على العالم أن يفهم أننا أمام واقع يقول " يهودي الأمس هو نازي اليوم والفلسطيني اليوم هو يهودي الأمس إبان الحرب العالمة الثانية"، فمتى تنتهي محرقة غزة ومتى سينتهي غيتو غزة؟

