"رسالة من خلف القضبان"- الأسير عاصم كعبي

عاصم كعبي
المصدر / مركز حنظلة للاسرى والمحررين

في ذكرى اعتقالي الرابع عشر إليكم جميعا اهدي هذه الكلمات :

أربعة عشر عاما مرت وما زلت أنادي الحياة والأحلام، أنادي الذكريات والأيام من عصر الغياب الطويل هذا، أحاول أن أكون معكم ،لكي أشعر ولو قليلا بطعم الحياة العادية التي تمارسونها يوميا وهذا ما قد أنستني إياه سنوات الأسر والظلم والقهر،أردت لو قليلا في رسالتي هذه ومن خلالكم أن أتعافى من وجع النسيان و الانتهاء.

أردت اليوم أن أتسلق قمم المأساة العارمة بصمتي الدائم لأصرخ وأنادي الأمل ليعلمني أن أحيا معكم من جديد، ليعلمني كيف اخط رسائلي السنوية هذه من حبر اشتياقي وألمي إلي اللذين رحلوا وخطفهم الموت عني، إلى اللذين اعتادوا أن يرسلوا لي الأمل من خارج زنانين الاحتلال.

نعم إلى روح أمي الحبيبة الغالية التي سلبها الموت بعيدا عني ليخون كل العهود التي كانت بيننا، ليحرمني حضورها ونبرات صوتها التي كانت تضخ إلي المحبة والأمل، فماذا أبقيت لي أيها الموت سوى مرارة القلب سوى جرح الحياة والضياع، لتبكي السماء من عيوني فراقا ،ليكن الحداد ابدي، لتنكث راياتي، ليكن قلبي قبرا لأمي الحبيبة الذي اسقيه من دمع شوقي في كل لحظة.

يا أيها المسافات الطويلة لماذا تبتعدين عني أكثر فأكثر ألا يكفني علو الأسوار الشاهقة من حولي! الا يكفيني القيود والأغلال التي  ترنوا بأصواتها كلحن يعزف على إيقاع النكبات والجراح المتتالية في كل حين! الا يكفيني جوعنا وأهات المناضلين من حولنا الذين يتلصصون خبرا من بين شقوق جدران الزنازين على حريتهم الضائعة منذ سنين طويلة!

وأنت يا أبي العزيز وانتم يا إخوتي وأخواتي التي حفرت أسمائكم وأسمائكن بوجع وبصبر على جدران أمنياتي التي ابحث فيها عن لقاء بيني بينكم ، لقائكم الغالي على قلبي الذي من خلاله أرسل لكم محبتي وأمنياتي بلقائكم خارج قضبان الاحتلال هذه لكي نكون سويا ، لقائكم الغالي ألذي يشعرني بمعنى الحياة والانتصار والذي يلهمني القوة والصبر من جديد، لقائكم الذي انتظره دائما والذي يذكرني انه مازال لنا تحت هذه السماء حق وقضية ولتكن عودة أرضنا المقدسة هي عهدنا وعهد شهدائنا وجميع أسرانا  ومعنى وجودنا وصبرنا على هذه الأرض .أتذكركم في كل مكان بين زقاق المخيم ،وفي وقفاتنا الوفية عند شواهد الشهداء ونحن نستودعهم بمواكب الاستشهاد... وأنت يا نادر في كل المواقف وفي كل المراحل أستذكرك ، استذكر تلك أليلة التي لم نجد فيها سوى خزان كبير لننام فيه وكاد يغمى علينا لولا ذلك الرجل الذي أنقذ حياتنا وكأن غسان كنفاني كان يتحدث عنا نحن في روايته "رجال في الشمس" استذكر أمثالك الذين كتبوا ميلاد الوطن وبلاط الشهداء.

إليك أخط يا من تقرئين لغة القلوب، فأنت الوحيدة التي تعلم ما في قلبي من حنين، أخاف من تلك السنين أن تمزق الوفاء و الإخلاص والمحبة التي منحتني إياها وأنا وحيد في هذه الأرض القاحلة، أخاف ألا أكون وفيا أمام محبتك، أخاف آلا أكون لكي كما الحال ألان ، فانا لست ملكا لأحد كأملاك الغائبين بالمنفى أنا ،أستريح من عناء المقاتلين.

إليكم جميعا وإليك يا وطني الغالي اهدي هذه الكلمات، فانتم ما تبقى لي في هذه الحياة ، أحبكم وقلبي معكم وأتمنى اللقاء بكم.

الأسير عاصم كعبي - مخيم بلاطة