بقلم الأسير المحرر: كميل أبو حنيش

سلسلة حلقات: حكايات عن السجن والحرب

كميل أبو حنيش تصميم مركز حنظلة.png

مركز حنظلة_فلسطين المحتلة

الحلقة العشرون: جاء البغل

أطلق الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال لقب "البغل" على وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، منذ أن تولى مسؤولية الوزارة المسؤولة عن مصلحة السجون.

وفي الواقع، كنا نتابع أنشطة بن غفير وإطلالاته الإعلامية الاستعراضية منذ أن كان شابًا، بوصفه إحدى ثمار مدرسة مائير كهانا العنصرية.

ولم يكن أحد يتصور، حتى في الكيان الصهيوني نفسه، أن يصل هذا الغبي إلى عضوية الكنيست، ناهيك عن توليه وزارة حساسة كوزارة الأمن الداخلي. لكن الأوضاع السياسية المتقلبة في الكيان دفعت بنيامين نتنياهو إلى ضمه إلى معسكره، والتحالف معه وإشراكه في الحكومة، بعد أن كان الجميع ينأى عنه.

وليس ذلك بسبب عنصريته وفاشيته المقززة، فنتنياهو وسائر قطعان اليمين لا يختلفون، من حيث الجوهر، حول مواقف بن غفير؛ لكنه كان يعبر عنها بطريقة فظة، في حين كان القادة الصهاينة يرغبون في الظهور أمام العالم بمواقف ناعمة وتجميلية لصورة الكيان.

وكان ذلك، بالطبع، قبل حرب الإبادة على غزة، وقبل أن تتساقط القشور عن الوجه الحقيقي للصهيونية ودولتها "إسرائيل".

ومنذ أن تولى بن غفير وزارة الأمن الداخلي، التي أصر على تسميتها بوزارة الأمن القومي في ديسمبر/كانون الأول 2022، أخذ يطلق التصريحات والمواقف يمينًا ويسارًا، وبالأخص تجاه الأسرى الفلسطينيين، حيث ادعى أنهم يعيشون في السجون وكأنهم في "فندق خمس نجوم"، وأنه "آن الأوان لتجريدهم من كامل حقوقهم"، وسن قانون الإعدام الذي يتيح إمكانية إعدام المئات منهم.

وباشر، منذ توليه مهامه، إعداد خطة كاملة لمعاقبة الأسرى وتجريدهم من حقوقهم، كالزيارات والكانتينا والفورة والطعام والعلاج الطبي، وهي حقوق طبيعية تمامًا يحظى بها سجناء العالم، مع أن الأسرى الفلسطينيين انتزعوا هذه الحقوق بفضل نضالاتهم وإضراباتهم عن الطعام.

غير أن خطة بن غفير اصطدمت بحاجزين: الحاجز الأول هو مصلحة السجون ذاتها، التي رفضت كثيرًا من قراراته لأسباب مختلفة، منها أن الخطة غير واقعية، وأن الأسرى سيرفضون بقوة أي مساس بحقوقهم وسيلجأون إلى الإضراب، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تدهور الأوضاع في الضفة وغزة.

أما الحاجز الثاني، فكان الأسرى أنفسهم، الذين كانت لديهم، حتى السابع من أكتوبر، حركة أسيرة منظمة وقفت بالمرصاد لبن غفير، وأعلنت أن أي مساس بأي من حقوق الأسرى سيقابل بخطوات تصعيدية في السجون.

وكان هناك عامل آخر أعاق خطة بن غفير، وهو أن الشارع "الإسرائيلي" انتفض في وجه مشروع ما سمي بـ "الثورة القضائية"، وكانت شرطة بن غفير تتصرف بعنف غير مسبوق بحق المتظاهرين، الأمر الذي جعله محط كراهية وجدال كبيرين في "إسرائيل"، بل أصبح موضع سخرية في وسائل الإعلام التي نددت بمواقفه وسياساته، ما جعله ضعيفاً في بدايات توليه الوزارة.

وطوال عشرة شهور من محاولات بن غفير سحب إنجازات الأسرى وحقوقهم، لم يستطع تنفيذ سوى قرار واحد من بين مئات القرارات، وهو تغيير الخبز الذي كنا نتلقاه من خبز طازج يجري إعداده في مخابز مصلحة السجون، إلى خبز ما يسمى بـ "الربطات"، وهي ربطة خبز مؤلفة من خمسة أرغفة ملفوفة بكيس، وتشكل حصة كل أسير في اليوم.

وقد أصبح بن غفير، بعد هذا القرار، موضع تندر وسخرية ونقد إعلامي وسياسي شديد، إذ كانت هذه العملية تكلف مصلحة السجون 15 مليون شيكل شهريًا، وأطلق عليه، تندرًا، لقب "وزير الخبز الداخلي".

وقد حاول بن غفير، خلال زياراته لبعض السجون، استفزاز الأسرى، غير أنهم لم يكونوا يحفلون به أو بزياراته، وكلما وصل إلى أحد السجون كان الأسرى يسخرون منه بالقول: "لقد جاء البغل".

ويكتسب هذا اللقب أهمية خاصة من تصرفات بن غفير ذاتها؛ فهو يصرح وينعق بمواقف عنصرية، ولغة جسده أمام وسائل الإعلام استعراضية، أشبه برفسات البغال، كما أنه يبالغ في تصريحاته، ولا يحركه سوى الكراهية والغوغائية.

وما إن حلت لحظة السابع من أكتوبر ووقعت الحرب، حتى انقلبت الأوضاع رأسًا على عقب في كل مكان في فلسطين، بما فيها السجون. فوجد بن غفير، في حالة الهستيريا التي أصابت الكيان المجرم، فرصته السانحة للانتقام من الأسرى، ووفرت هذه الحالة مناخًا لتقبل قادة وضباط وشرطة مصلحة السجون قرارات بن غفير هذه المرة، وبحماسة شديدة، مدفوعة بالخوف والكراهية والعنصرية التي تفشت في جسد الكيان ومؤسساته، حتى أصبحوا جميعًا يتفقون مع بن غفير ويتسابقون معه في ابتكار وسائل جديدة لقمع الأسرى والتنكيل بهم والانتقام منهم.

وانقلب بن غفير، من الشخص الأكثر كراهية في "إسرائيل" والوزير الأكثر تعرضًا للسخرية والتندر في مصلحة السجون، إلى شخص أصبح محط فخر لدى البعض، وصار الجميع يتسابق لتطبيق قراراته وسياساته وإرضائه، لأسباب انتهازية وتملقية، حتى أصبح القادة والضباط والشرطة "بغالًا" على شاكلته، يتصرفون بوحي من سياساته ويحاولون تقليده في حركاته الاستعراضية، وفي ممارسة القهر والعنف والعنصرية.

وقد أكثر بن غفير، طوال ثلاث سنوات، من اقتحاماته للسجون والإشراف بنفسه على العقوبات والقمع والتنكيل بالأسرى، واستدعاء بعض الحالات والرموز من الأسرى، وبث الفيديوهات الدعائية الرخيصة لهذه الاقتحامات. وكلما كان يأتي، كنا نعرف بوصوله إلى السجن من خلال قنابل الصوت والرصاص واقتحام الأقسام والغرف، وكان التعليق الدارج على ألسنة الأسرى: "جاء البغل".

غير أن لقب "البغل" لم يقتصر على بن غفير وحده، فقد نافسه عليه عدد من الضباط والشرطة الذين كانوا يحاكونه في القمع والمواقف العنصرية والممارسات التي وصلت إلى حد الهمجية، وهو ما سنتناوله في الحلقة القادمة.