بقلم: أكرم عبيد

الحركة الأسيرة الفلسطينية في سجون الاحتلال الإسرائيلي والإعلام

الحركة الأسيرة.jpeg

مركز حنظلة_دمشق

في البداية، نفخر ونعتز بصمود أسرانا وصلابتهم في سجون الاحتلال ومعتقلاته الإجرامية على امتداد أرضنا الفلسطينية المحتلة، بالرغم من الظروف القاهرة والصعبة التي يعيشونها في باستيلات الإجرام الصهيوني، وخاصة بعد تعرضهم لمسلسل الإجرام اليومي والانتهاكات الفاضحة لحقوقهم الإنسانية والقانونية التي شرعتها الهيئات الدولية، وفي مقدمتها "اتّفاقات جنيف الرابعة"، بالإضافة إلى سياسة الحرمان والإهمال الطبي والتعذيب اليومي، خاصةً بعد استخدام كل أدوات الإجرام والحرمان، واستخدام الكثير من أجسادهم في تجارب مخبرية قاتلة، بعد تعرضهم لأدوية خطيرة بقرارٍ من وزارة الصحة الصهيونية، بالإضافة إلى سرقة بعض الأعضاء من أجساد الشهداء وتحويلها لجرحى جنود الاحتلال الصهيوني، في ظل صمت السلطة الفلسطينية ومعظم الأنظمة العربية والإسلامية والجامعة العربية والأمم المتحدة ومؤسسات حقوق الإنسان الدولية المعنية بحقوق الأسرى تحت الاحتلال المزعومة، والصليب الأحمر الدولي، بموجب ما يسمى اتفاقيات جنيف الرابعة.

وقد حاولت بعض لجان الدفاع عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين وذووهم مراجعة بعض المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الأسرى الفلسطينيين وبعض المؤسسات الحكومية المحلية للسلطة، لتفعيل قضية الأسرى وتدويلها قضيةَ أسرى حرب، وليس أرقامًا هامشية أو مجرمين أو إرهابيين كما تزعم سلطات الاحتلال الصهيوني، لكنها فشلت.

وفي الحقيقة، ليس غريبًا ولا مستغربًا على الإعلام الصهيوني تشويه قضية الأسرى في سجون الاحتلال لتضليل الرأي العام العالمي، بوصفهم للأسرى بأنهم إرهابيون وقتلة يعتدون على المستوطنين والمستوطنات، وتجاهل السبب الحقيقي، وهو بالأصل وجود هذه المستعمرات على أرضهم الفلسطينية بشكل غير شرعي ولا قانوني، كما صنفتها معظم القرارات الدولية في الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، التي تم سلبها من قبل قطعان المستوطنين المسلحة والمنفلتة من عقالها، بدعم وحماية سلطات الاحتلال، وفي مقدمتها جيش الاحتلال الصهيوني، كما يحصل اليوم على امتداد الضفة الغربية المحتلة، وخاصة في القدس ومحيطها، والتي تعتبرها اليوم حكومة نتنياهو جزءًا لا يتجزأ من واقع الاحتلال المغتصب لأرضنا وحقوقنا الوطنية الفلسطينية بالقوة الإجرامية المسلحة وسياسة الأرض المحروقة.

وبموجب هذه المعادلة الصهيونية الإجرامية، أصبح كل مواطن فلسطيني يقع في قبضتهم أسيرًا وإرهابيًّا، والسبب الأساسي لأنه صاحب حق وقضية وطنية عادلة شرعتها كل القوانين الدولية، وفي مقدمتها قوانين وقرارات الأمم المتحدة، التي عدّتها قضية سياسية لشعب أرضه محتلة، ومن حقه الطبيعي مقاومة المحتلين واستعادة حقوقه المحتلة بكل الأشكال والوسائل.

لذلك، فإن الإعلام الصهيوني العالمي يعتمد على منهج مؤسساتي منظم، ويملك الكثير من القدرات والإمكانيات والخطط والبرامج التي يوظفها لتنفيذ مهامه العدوانية ضد شعبنا وحقوقه الوطنية المغتصبة بشكل جيد ودقيق.

وقد أثبتت وسائل الإعلام الصهيونية أنها لا تتعامل مع الحدث بردة فعل جوفاء، لكنها تبذل المزيد من الجهود لإثبات روايتها، لإقناع الرأي العام العالمي بروايتها التوراتية التلمودية الخرافية الأسطورية المزيفة. وبالرغم من سياسة التضليل والتزوير والفبركة والخداع البصري والذكاء الاصطناعي والكذب الصارخ، وما يثبت زيفها ما حصل بعد عملية طوفان الأقصى المباركة وأسر العديد من جنود وضباط ما يسمى فرقة غزة، التي انهارت أمام ضربات الفدائيين، والتي تعتبر من أقوى الفرق العسكرية الصهيونية، نخبة جيش الاحتلال، والتي أصبحت قضية الأسرى الصهاينة، والتي حاول الإعلام الصهيوني تصوير قضية الأسرى الصهاينة وكأنها قضية رأي عام، كما صوّر قبلها عملية أسر الجندي الصهيوني شاليط.

ومن يتابع الإعلام الصهيوني يجد أن عملية الأسر هذه أصبحت من أهم أولوياتهم التي ركزوا عليها هم وحلفاؤهم بالغرب، بالرغم من أن هؤلاء الأسرى من جنود الاحتلال غزاة محتلون لأرضنا ويعتدون على أهلنا في غزة بشكل يومي، وبالرغم من ذلك أصبحت قضيتهم معروفة للعالم أجمع كقضية رأي عام، بالرغم من أنه تم أسرهم من مواقعهم المحتلة في محيط غزة العزة، التي تدفع اليوم الثمن الكبير بسبب العدوان الصهيوني اليومي وتشديد الحصار على المدينة ومحاصرتها، ولم يُسمح حتى بدخول الحد الأدنى من المساعدات الغذائية والطبية وغيرها، بعد سياسة الجرائم الجماعية وسياسة الأرض المحروقة بحق شعبنا، الذي دمروا بناه التحتية والمجتمعية، ولم تسلم من العدوان حتى المشافي ولا المقابر ولا البشر والشجر ولا الحيوانات ولا حتى الحجر، عداك عن هذا الإجرام، اختطاف الآلاف من المدنيين الأبرياء، وما زال مصير الكثير منهم مجهولًا حتى اليوم، ومنهم عدد لا يستهان به من الأطباء، مثل الدكتور الأسير حسام أبو صفية، والكثير من الكفاءات والشخصيات الوطنية.

بالإضافة إلى ذلك، قتل عشرات الآلاف وجرح عشرات الآلاف، وفقدان أكثر من عشرة آلاف ما زالوا تحت الأنقاض، وفرق الدفاع المدني الفلسطيني لا تملك الحد الأدنى من الأدوات والإمكانيات اللازمة لإخراج جثامينهم من تحت الأنقاض. عداك عن ذلك، وجود أكثر من عشرة آلاف أسير ومعتقل في باستيلات العدو وسجونه الإجرامية المعروفة وغير المعروفة، بينما ما زال يقبع في سجون العدو أكثر من 9500 معتقل وأسير ومختطف فلسطيني وعربي، ومنهم مرضى، ومنهم من تجاوز ربع قرن في السجون وأكثر، مثل الأسير نائل البرغوثي وغيره وغيره الكثير من الأسرى والأسيرات والأطفال من أسرانا الذين تجاوزت مدة أسرهم عدة سنوات، ولا يتذكر العالم أسماءهم.

في السياق نفسه، تم إضافة عقوبة إعدام الأسرى من قبل المجرم ابن غفير كاقتراح، وتمت المصادقة عليه من قبل ما يسمى الكنيست الصهيوني وإقراره كقانون، بتاريخ 30 من مارس عام 2026، الذي سينفذ عقوبة الإعدام شنقًا على كل أسير تثبت محاكم الاحتلال إدانته بقتل جندي أو مستوطن صهيوني محتل لأرضنا.

وإذا ما عرجنا على دور الإعلام العربي والفلسطيني تجاه قضية الأسرى، نجد أنه ما زال عاجزًا وفشل في تدويل قضية الأسرى، بالرغم من وجود الكثير من الكفاءات الفلسطينية والعربية في لجان ما يسمى حقوق الإنسان والمحامين العرب من خلال اتحاداتهم أو نقاباتهم، كمؤسسات تملك المزيد من الإمكانيات والطاقات التي تؤهلهم لوضع آلية عمل لتحويل قضية الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال الصهيوني لقضية رأي عام عالمي، بالتعاون مع كل أحرار العالم، وخاصة المؤسسات والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الأسرى من الشعوب التي ترزح تحت الاحتلال، مثل شعبنا الفلسطيني المقاوم.

إذا ما استعرضنا دور الإعلام الفلسطيني، في حقيقة الأمر لا حول ولا قوة له في ظل غياب المرجعية الوطنية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وخاصة بعد الانقسام الفلسطيني وغياب المهنية وضعف الحركة الدبلوماسية في المؤسسات المعنية في م.ت.ف، عداك عن السبب المهم الذي يتمثل بوجود الاحتلال الصهيوني.

لذلك، فإن بعض وسائل الإعلام الفلسطينية ما زال دورها لا يتعدى حدود تأمين برامج التواصل بين ذوي الأسرى وأبنائهم في السجون، وهذا مهم ومهم جدًا، لأن هذه البرامج تعتبر الوسيلة الوحيدة الضرورية للتواصل بين أبناء الحركة الأسيرة وأسرهم، لكن هذه النافذة، بالرغم من أهميتها، لا تحل مشكلتهم بشكل علمي وعملي.

وفي الحقيقة، إن الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال بحاجة ماسة لإعلام عربي وفلسطيني ينسق من خلال آلية عمل موحدة مؤسساتية منظمة للتواصل مع المؤسسات الدولية ولجان حقوق الإنسان والصليب الأحمر الدولي، لمتابعة مسيرتهم والعمل على تدويلها بالتنسيق مع كل أحرار العالم، لكن وللأسف الشديد ما زال الإعلام العربي والفلسطيني يتعامل مع قضية الأسرى بردة فعل جوفاء، ويتناول قضية الأسرى كخبر عابر في نشراتهم الإخبارية.

لذلك، فإن الحركة الأسيرة في سجون العدو الصهيوني بحاجة لإعلام عربي وفلسطيني مؤسساتي، لا يتعامل مع الحدث بردة فعل، بل إعلام يصنع الحدث بمفاعيل وتفاعلات على الصعيد الدولي، ويوظف الحدث بعقلية هادفة وممنهجة، من خلال إيمانهم بعدالة قضية الأسرى، التي تعتبر ركنًا أساسيًّا من أركان القضية الفلسطينية، ويجب أن يعمل الجميع على تدويلها، لأنها تعتبر قضية عربية ببعدها الإسلامي والتحرري العالمي، ومن المفروض والواجب على وسائل الإعلام العربية والفلسطينية وضع ملف قضية الأسرى أمام المؤسسات والمنظمات الدولية بشكل خاص، والرأي العام العالمي بشكل عام، ليتعرفوا عليها، وخاصة أن البعض من الأسرى قضى في سجون الاحتلال الصهيوني أكثر مما قضى بين أهله وأصدقائه.

لهذا السبب، فإن الحركة الأسيرة اليوم بحاجة ماسة للعمل الجاد لتدويل قضيتهم والتعرف عليها وعلى معاناة أهلهم وأسرهم، وفضح كل الممارسات الإجرامية بحق الأسرى وأهاليهم، والضغط على المؤسسات الدولية لاعتبارهم أسرى حرب، وليس قتلة أو إرهابيين كما تزعم سلطات الاحتلال الصهيوني، التي قررت وبكل وقاحة إعدام البعض منهم لأنه مقاوم، ومن حقه الدفاع عن النفس ومقاومة الاحتلال.

لذلك، لا بد من حشد كل الطاقات والإمكانيات العربية والفلسطينية والإسلامية والتحررية العالمية لتدويل قضيتهم، من خلال عقد المؤتمرات الدولية برعاية مؤسسات الأمم المتحدة، وحضور ممثلين عن الحركة الأسيرة من الأسرى المحررين والمؤسسات الفلسطينية والعربية والإسلامية والتحررية العالمية والصليب الأحمر ومنظمات حقوق الإنسان المعنية بالأسرى وحقوقهم التي شرعتها القوانين والمعاهدات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف الخاصة بالأسرى، لفضح كل ممارسات وانتهاكات الاحتلال الصهيوني بحقهم، وتجريمهم في المحاكم الدولية كمجرمي حرب غزاة غاصبين لأرضنا، وكيانهم كيان مصطنع إرهابي، ومن حق شعبنا مقاومتهم بكل الأشكال والوسائل المتاحة.

وفي كل الأحوال، ما زال أسرانا ومعتقلونا في سجون الاحتلال الصهيوني يعيشون في سجون الاحتلال حياة صعبة وقاهرة بسبب ممارسات الجلادين الصهاينة، الذين يمارسون بحق الأسرى والمعتقلين كل أشكال العذاب والإجرام، وخاصة الجرحى منهم، الذين يعانون أبشع أنواع العذاب الجسدي والنفسي والضرب والإهمال الطبي ورفض تقديم العلاج للمرضى منهم، وخاصة للجرحى، ورفض تقديم أي شكل من أشكال الرعاية الصحية للأسرى المرضى من أصحاب الأمراض المزمنة.

ومن جانب آخر، تتعمد سلطات الاحتلال الصهيوني فرض ما يسمى قانون الاعتقال الإداري، وتوقيف المئات من الشباب والنساء، حتى بعض الأطفال، كمعتقلين لفترات طويلة دون أي تهمة تذكر أو أي محاكمة عادلة، وفي السياق نفسه يتعرض معظم الأسرى لفرض عقوبات العزل الانفرادي في زنازين ضيقة ومكتظة، بالإضافة للنقص الكبير في الغذاء النظيف والماء الصالح للشرب. أما بالنسبة للاعتداء عليهم في الزنازين، فحدث ولا حرج، وخاصة حرمانهم من زيارة أسرهم كعقوبة لتأديبهم والنيل من صمودهم، لكن مجرمي الحرب الصهاينة، مهما تمادوا في غيهم وطغيانهم، ما زالت الحركة الأسيرة الفلسطينية صابرة محتسبة وصامدة في وجه الجلاد الصهيوني، الذي يتعمد منع الأسرى من قراءة القرآن الكريم والصلاة في جماعة، وكل من يتولى الإمامة بصلاة الجماعة تتخذ بحقه إجراءات عقابية قاتلة وعزل انفرادي.

لا شك أن سياسة الإجرام بحق أبناء الحركة الأسيرة توجت اليوم، وبعد عملية طوفان الأقصى المباركة، بارتقاء أكثر من 90 شهيدًا منذ معركة طوفان الأقصى المباركة، وما زال الكثير من الأسرى المرضى، الذين يتجاوز عددهم أكثر من 700 مريض، يعانون من الكثير من الأمراض المستعصية، من السرطانات ومرضى القلب والكلى وغيرها، وفي كثير من الأحيان تتدهور حالتهم الصحية بشكل خطير، تهدد حياتهم بالموت، في ظل حرمانهم من الرعاية الصحية اللازمة ونقلهم للمشافي، والتي تترافق مع الاعتداءات الإجرامية عليهم وهم مقيدو اليدين والأرجل.