لسنا بحاجة للحديث عن صفقة القرن فقد أشبعت نقاشاً وجدلاً منذ أكثر من عامين وصلها عموم الشعب الفلسطيني بعد أن فاحت ريحتها النتنة وفق الإعلان عنها رسمياً هذه الخطة ما هي إلا رؤية نتنياهو وتصوراته لتصفية القضية الفلسطينية، ولم يكن دور ترامب في هذه العملية سوى تبنى توجيهات ومواقف نتنياهو بحذافيرها.
وهذه الخطة واردة وبالنص الحرفي في كتاب نتيناهو "مكان بين الأمم" الذى صدر قبل أكثر من ربع قرن وطوال العقد الماضي عبر نتنياهو عن ملامح هذه الخطة من خلال لقاءاته وتصريحاته الإعلامية وخطاباته في مختلف المحافل والإجتماعات.
وإذا شئنا الدقة فإن هذه الخطة تعبر تماماً عن تصورات الدولة العبرية بمؤسساتها وأحزابها السياسية والإيدلوجية، حيث سارعت مختلف الأحزاب والقوى الصهيونية إلى تأييد هذه الخطة مع تحفظات خجولة من جانب ما يسمى باليسار الإسرائيلي، وبالتالي فإن خطة ترامب هي خطة إسرائيلية قلباً وقالباً جرى إلباسها ثوباً أمريكياً وبدا من خلالها رئيس أقوى دولة في العالم مجرد أمعة يتمثل لكل ما يملى عليه من قبل سادته في تل أبيب، والملفت للإنتباه أن ترامب ونتنياهو لا يزالون يعيشان في الذهنية التقليدية الباهتة التي تحتقر الشعوب ولا ترى في بلادها وثرواتها سوى مادة للنهب والإستباحة وعدم الامتثال لأي منظومة فكرية أو سياسية أو أخلاقية او إنسانية، ولكن من حقنا أن نتساءل، هل يعجز العالم عن فضح هذه المواقف العنصرية والتصدي لمثل هذه السياسات المستهترة بحقوق الشعوب ومصائرها؟ ولماذا يتخاذل العالم عن لجم العدوانية الاستعمارية الصهيونية وإجبارها على الإذعان للقانون للدولي، على مايبدو فإن العالم ومنظماته الدولية قد أفلست تمامًا وباتت عاجزة حتى عن أدنى هذه العربدة الأمريكية الصهيونية واستخفافها بالمواثيق والأعراف الدولية.
أما عن الولايات المتحدة التي يمثلها ترامب وخططه الدينية فهي مفلسة سياسياً وأخلاقياً منذ زمن بعيد، أما ترامب فإنه يُعبر عن هذا الوجه الحقيقي في الولايات المتحدة المعادية للشعوب ولن نحتاج إلى سد الوقائع والممارسات العدوانية لهذه الدولة طوال تاريخها الحافل بالإجرام والاستغلال والهيمنة على خيرات الشعوب.
أما الغريب في هذه الخطة يتمثل في تواطؤ العديد من الأنظمة العربية وعلى رأسها دول الخليج التي على مايبدو قد تصهينت تماماً وتماثلت مع سياسات الدولة العبرية، فهذه الدول تآمرت منذ البداية مع هذه الخطة ووافقت على التنازل عن القدس وعن حقوق الشعب الفلسطيني وآثرت الانطواء في معسكر العدو، أما عن رفضهم العلني لهذه الخطة كما عبّر عنه وزراء خارجيتهم في الإجتماع الأخير في القاهرة فقد جاء خجولاً لكنهم وطول السنوات الماضية مارسوا ضغوطهم على الفلسطينيين لقبول هذه الخطة، ربما لا يزال يمارسون هذه الضغوط ويلوحوا بالتهديد والوعيد والابتزاز، فهذه المواقف تعبر عن إنحطاط أخلاقي ووجداني وقيمي وسياسي وخيانة عظمى وطعنة في الظهر من جانب هذه الأنظمة، وإلا فما هو مبرر هذه الأنظمة للتعاطي مع هذه المشاريع المشبوهة ولماذا يتحالفون مع الدولة العبرية؟ فهل هم بحاجة إلى المال أم الحماية؟ وهل ذريعة إيران تكفى لتبرير هذه الهرولة وهذا التواطؤ؟ أم أن جهاز الموساد قد اخترق غرف نومهم وبات يبتزهم بنشر فضائحهم وسلوكهم الذى يزكم الأنوف؟ وإلا ما هو سر هذا الانحطاط والإنبطاح والهرولة تجاه إسرائيل التي تحتقرهم وتبتزهم ولا توفر أجهزة إعلامها أي فرصة من السخرية منهم ومن أنظمة حكمهم.
فلولا هذا الانحطاط والانحدار الأخلاقي لما تجرأت شخصية رخيصة وقذرة كترامب على طرح هذه الخطة الدنيئة، ولا ما تجرأت شخصية بهلوانية تافهة كنتيتاهو بالتبجح العلني باختراق الصف العربي وإن العرب قد باتوا حلفاء لإسرائيل.
إننا اليوم كفلسطينيين ومن خلفنا الملايين من جماهيرنا العربية الشريفة نقف جميعاً صفاً واحداً لإفشال هذا المشروع التصفوي ويتعين علينا أن نثابر على فضح المواقف العربية المتآمرة ليس على القضية الفلسطينية وحسب، وإنما على عموم القضايا العربية ومستقبل الشعوب ولن يكون مصير هذه الخطة ومعها ترامب ونتنياهو وسائر القادة المتآمرين سوى مسألة التاريخ وسينتصر شعبنا طال الزمان أم قصر.

