الرفيق الاسير محمود عيسى أبو مارسيل يكتب من قلب زنزانته لروح رفيقه فادي حنيني في ذكرى استشهاده السادسة عشر

من الذكريات في الذكرى السادسة عشر

2b4f375a4b2918596257360d841694d0

خاص مركز حنظلة

أبو الفدا كما كنا نُحب أن نناديك عند ضغط أصابعك على الزناد وأنت تصوب بندقيتك على الهدف نحو العدو أو كما كنت تحب أن يُقال لك وأنت بين جموع المقاومين يا شهيدنا ورفيقنا فادي حنيني، يا ابن القرية الشامخة هناك بالجانب الشرقي من مدينة جبل النار "بيت دجن" تلك القرية التي أخدت منك شموخها وهيبتها ومن أفعالك التي لا تضاهيها فعل نظيرها، صاغت مفردات تاريخها ومن سيرتك الذاتية المليئة بالعطاء والثناء، علمت أبناءها فأخذت عنك كل ما أبدعت يداك من فعلٍ أو قولٍ أو تقريرٍ أو صفة، فكنت لهم حمال الرسالة وبأسماء عملياتك البطولية والموجعة التي ضربت بها دولة الكيان شرقًا وغربًا سميت حاراتها وشوارعها وأزقتها وروتها نساء الحي بأهازيج الأفراح وأصبحت الحكاية في كل ساحة وأنت الذي تستحق، زرعت في أنفاس أهل  قريتك وجيرانها معاني الإقدام والشجاعة والرفعة وعزة النفس وتقديم الموت على الحياة لأجل الأرض والإنسان ورفضًا للذل وزرعت فيها الزهد المقدس في كل تفاصيل الحياة إلا من حب الوطن والتضحية له والزود عنه، فأنت السخي فيه كما الأرض التي تعطي قاطنيها على مدار الفصول الأربعة.

لأنك الصديق والأكثر وفاءً لكل ما عرفت من قيمٍ سامية ومبادئ ثورية وكل من عرفك للوطن ولشهدائه الذين رحلوا وآثرت أن تكون بصحبهم، هناك في علياء المجد بين النجوم تتلألأ ليلاً ومع خيوط الشمس الذهبية نهارًا لتعطي حتى بعد رحيلك من دفئك لكل من احتاج العطاء ليستمر فأضحيت المقدس فينا فكنا وما زلنا نبكيك في كل ذكرى وما بين مساحات الزمن التي تسكن بين الفكرة والذكرى أو في كل مجلسٍ تؤنسنا أنت فيه ونتحدث معًا عن مآثره ومآثرك أو قصة تخصك أو بطولة أنت شيدت خطوطها الهندسية من ألفها ليائها في سنين المطاردة التي عشتها لسنوات، فنحن رفاق دربك نذكر لك ومنك الكثير لكن لا نستطيع البوح بكل التفاصيل لأن في هذا الزمان يلاحق فيه العدو حتى الشهداء تحت الثرى كما يلاحق المقاومين فوق الثرى لكنك تستحق الكتابة وأكثر وتستحق أن تُدرس في ركب الأجيال لتكون للمقاومين دروس وعبر يستجيد منها كل من أحب الوطن والمقاومة في زمن عُدّ فيه النضال.

 

شهيدنا ورفيقنا المقاوم بامتياز رحلت قبل ستة عشر عامًا وأنت الغائب الحاضر فينا ساكن في شرايين الدم والخلايا ومنذ صباح الثامن عشر من كانون الأول من عام 2003م وأنت الذي خُلدت في جوف القلوب لا تبرحها ولا تبرح الألباب فإنك المؤثر حقًا لإن مسيرتك النضالية للأجيال قد عبدت الطريق وفتحت الأبواب ونشرت ما بين الأصدقاء والأحبة حب الثائر وفكره للنصر والمقاومة أصبح خلّاب فيومك لن ولم يكن يومًا عابرًا فلم نزل نبكيك بكاء يعقوب لولده وأنت الذي كنت ترفض أن يُبكي المقاومين، وهنا سأكتب عنك حدثًا فاسمح لي وأنت سيد الحضور الذي كنت دومًا ترفض البوح عن الأسرار لكني أرى فيها عبرة فهل تذكر يا رفيق الدرب عندما كنا نسير ومعنا ثلة من الرفاق المقاومين في أحدى شوارع مدينة جبل النار فيما كان البعض منهم يستظلون بظلك وجدنا أحد المقاومين الأبطال وهو يبكي فوقفت أنت قليلًا ونظرت نظرة المقاوم وسألته: "ما يبكيك؟ ما يبكيك وأنت الذي أعلنت عن نفسك المناضل المطارد ضد قوات الاحتلال"، فأجابك بصوتٍ خافتٍ شاحب: "إني قد فقدت سلاحي الذي كنت قد اشتريته من حر مالي أثناء الاجتياح وملاحقة الجيش لنا ليلة أمس"، فأجبت أنت يا سيد الحضور: "حقًا انك مقاوم ومطارد مجنون وهل هناك من يفقد سلاحه أثناء المطاردة، لولا أنك هربت لما سقط منك، لكن على كل حال لك أيها المقاوم أن تبكي بكاء النساء فإنك لم تحفظ سلاحك احتفاظ الرجال."

وما زالت تلك الكلمات في أذني حتى هذه اللحظات فما أعظم مواقفك التي سنبقى  نستذكرها في كل ذكرى لأننا كنا نتمنى أن تكون بيننا ولا يحول بيننا حائل فلا يكدر صفوتنا مكدر فأنت الرفيق الشهيد المخلّد الذي عرفناه وعاش فينا كزيتون الوطن كلما طوت السنين صفحاته مدنا بزيته لنجدد العطاء والعهد والقسم كي نستمر في دربك درب المقاومة وإن رحيل ساعدك الحمراء حتمًا سيثمر ثورة تتجدد مع كل صباح وستبقى ذكراك ناقوسًا يشعل في داخلنا نار الكفاح والثأر ممن أصابوك برصاصات الغدر في ساحات المقاومة فالمجد لك رفيقنا ولكل شهداء حزبنا العظيم.