بقلم الأسير ثائر حنني إلى والدته

في ذكرى استشهاد رحيلها الخامس

الأسرى في السجون
المصدر / مركز حنظلة للأسرى والمحررين

في ذكرى استشهاد رحيلها الخامس

دائماً وأبدا كنت أتمنى متخيلاً أن تكون رحلاتي في الفترة القصوى من حياتي إليك. كنت دائماً أعشق الرحيل الذي دائماً أحبائي وأشقائي بأنه يأخذني إليكي ... يأخذني إلى ذلك الماضي الجميل الذي لا يكاد يذكر... كم حاولت استثنائك من صور وحركات وقسمات وبصمات.. لكني فشلت يا أمي... إلى التي رحلت إليها دائماً وجعلتي من الرحيل حرفة تحترفينها لكي تنتقلي إلى حرفة الغياب.. نعم يا طعم روحي، فمن يستطيع قطع حدود الزمن والدول وحدود الصعاب لنقارنها مع معركة حدود الامومة... وأنتِ عندما قاربتي حدود أمومتك مع حدود عشقي لك كنتي تسيري نحو النصر... فانتصرتي.. فهنيئاً لي انتصارك.. وهنيئاً لعيني كحلك... وهنيئا لقلبي  حريتك... وهنيئاً للدنيا أمومتك... وهنيئاً لي أنتِ.. أنا اليوم أولد من جديد. أولد على وقع السنين التي باعدتنا عنكِ خمسة أعوام... أقول أولد لأن ذلك تأكيد لحبنا، فإننا نولد مرة واحدة... ذلك لا يكفي إما أن نولد في كل لحظة... وذلك يعني أننا متجددين في الاستمرار في مأساة الغياب ولكن يتعزز الامل وتتعزز إمكانيات اللقاء بين الابن والأم... عندما أتذكرك يا أمي يراودني إعصار عميق في صدري يزداد ويزداد بتلك السنين التي غبتِ عني فيها لأولد بعد ذلك من جديد. هل حقاً سيكون اللقاء بعد رحيلكِ الفاجع عني... خمسة أعوام من هذا الغياب القاتل من كل شيء .. فما زال حبك يجعلني استمر رغم كل شيء... فأحياناً يجتاحني الحزن... وأخرى يسكنني الغياب... انفث دخان سجائري بعنف الغضب... أجد نفسي في برش سجائر ومرة أخرى استمد منك ذات الصمود... وقوة الارادة... التي كانت دائماً تلهمينني إياها... اشتياقي لكِ جعلني اخط لك رسالتي هذه ... ورغم أن المسافات بيننا فاصلة... الزمن... الوقت... الأبواب الموصدة... جدران الأسر العالية... رغم كل شيء.. لأجلك أنت أحاول دائماً كما تحاولين أن تكسري قواعد اللعبة... والمسافات وعقارب الزمن... عندما تصرين على رؤيتي ... عندما تناضلين بإصرار المجيء من هناك ... من السماء... فإنك تريدين أن تقولي لي ليس هناك من مستحيل ...ومن محاولة مفعمة بالأمل أن أراكي تحولت فجأة إلّى في نفسي تماماً كما أنها تحققت فعلاً.. ومن قال أنها لم تتحقق ... لقد كان اللقاء بك يا امي... وقد لعب القدر لعبته الربانية، فالحاجة لك دائماً رغم ألم المسافات.  

وأخيراً يا أمي عدت وجلست مجدداً بلا حراك تنهال علي احزاني مع عذاباتي وآثار الشتاء بين الحياة والموت بأنني كنت التقط آخر انفاسي... فقدت الإحساس والشعور بذاتي، ومن حولي تكومت على نفسي وبدأت أنتظر لحظة الوداع لكنها لم تأت وبقيت بعدها عنيف كموت بطئ  من العذاب.. ومنه انتظرت ساعات وساعات دون أن تهدأ أو تأتي.

إلى خبز روحي وخمرة قلبي ودمعة العروق... ناري وسندي ولون الدموع ... لروحي وحبي وبرد الضلوع .... اشتاق لكٍ .. أقول أحتاجك... أقول أحبك... وأقول وأقول لكِ ... أريد أن أقول نعم... هذا السيل الجارف من امومتك الصعبة... صعبة المرارة... من فرط الحنين والتمرس فيه اقف صارخاً باكيا شاكياً ... رغم كل هذا فأنا فخور بكِ يا نبع دموعي، وساكنة يا عزيزتي يا عزيزة الروح... ورغم كل شيء فالألم والبعد والموت نفذ من نوافذ قلبي وأطل عليكِ فأنتِ دائماً في القلب . لم يكن في مقدوري أن القي زهراً على ضريحك ولكني سأستجدي سحابة كي ترش رذاذها برفق فوق ترابك.. لتنمو شقائق النعمان وزهرة النرجس، واستجدي العصافير والبلابل فأنتِ تستحقين الزهور والعبير والعصافير المغردة... رفيق دربك في رحلتك الأبدية... أنا ذاهب إلى نومي يا أمي... لعلنا نلتقي بحلم المسافة المتبقية للقاء بيني وبينك ..تصبحي على خير

ابنك ثائر من سجن رامون 

26/5/2016