في الذكرى السادسة عشر لاعتقاله القيادي وائل الجاغوب يكتب

على عتبات العام السادس عشر، حول الأسر والأسير

المصدر / بقلم الأسير المناضل وائل الجاغوب

 

ان التجربة الإعتقالية تُعتبر امتداد للتجربة النضالية الفلسطينية وجزء حيوي وهام منه، تجربة فردية وجماعية تميزها، يرتبط بظروفها وحالة المواجهة التي تتم في ساحاتها بين السجان والإنسان صاحب القضية "المناضل" وتشمل التجربة مستويات متعددة من النضال الجماعي، الدفاع عن الحقوق، ومواجهة السياسات الموجهة ضد كل الأسرى، إلى المستوى الذاتي، الذي يخص كل انسان ويتعرض له، وكيفية التعامل معه والتأقلم والاستيعاب، الزمن وفلسفته، وشكل تعامل كل اسير معه، وفهمه له ومستوى الارتباط خلف الجدران والقدرة على البقاء والتواصل والمتابعة قدر المستطاع ، الحيز العام والشخصي، واختلال توازنه، وإدراك مساحة الخصوصية.

إن الأسر تجربة حياة، تحدي وقدرة على الاحتمال تلامس حدود الصبر بأعمق معانيها، وقهر يومي، شعور بالعجز أحياناً، والإحباط من فقدان الأشياء لمعانيها ومن مبررات الوجود وانطلاق معنوي، مقاومة، إنه واقع يعج بالتناقض، الأشياء ونقيضها، امتداد اجتماعي وسياسي، لواقع سياسي واجتماعي وطني عام يأخذ صبغة خصوصية واقع الأسر ففي هذه الخصوصية كمناضل لا يمكن لك ان تستقيل او تستنكف او تعتبر ان الأمر لا يعنيك فهذا ترف لا يمكن ان تحصل عليه، واقع دون خيارات، وإن اعتقدتها قائمة، المفروضة فلا خيارات.

مع دخولي في العام السادس عشر داخل الأسر، احاول مرة اخرى أن أطل وبشكل مكثف على التجربة والواقع والحال، وتسجيل خلاصات حول تحديات وأفكار، هي نتاج تفاعل وجهد ومشاركة جماعية، حوارات وآراء وتجارب حية، محاولة ان نسجل تحديات الإنسان الأسير اليومية (الزمان والمكان، العلاقة مع الخارج، التأقلم الأولي مع الأسر، التمرد، الحرية، .. وغيرها).

الأسير بين الزمان والمكان

اذا كان الزمان هو عبارة اصطدام متتالي للأحداث، فإن للزمان تجلياته ومظاهره، صغيراً يكبر، إنجازات وإخفاقات، واقع يتغير، مكان يتطور، أحداث تشير لك ان الزمان يتحرك داخل الأسر، لا صغير يكبر ولا بناء يشيد ولا مكان تختلف ملامحه، ولا مؤشرات اختلاف تظهر، سوى مشاهدة الأسرى لأنفسهم، للغزو الأبيض للشعر او ما تبقى منه، ومفاجآت تتعلق بالصغير الذي كبر خارج الأسر ولم نتعامل معه أنه كبر، والمكان الذي أصبح غير المكان الذي تعرفه، وقيم كانت وذهبت، مفاهيم غادرات، وأنماط سلوك جديدة، وجيل آخر مختلف تتعرف عليه داخل الجدران.

يرافق الزمان الأسير من يبقى خلال بداية اعتقاله مهتماً بما يحدث خارج هذا الواقع، اهتمام بكل التفاصيل، وتمسك بألا يبتعد، تنتسع الفترة ويبدأ الإنشداد للواقع الجديد في الأسر، وتتباعد المسافات والاهتمامات ويفقد الانشداد لما هو خارج الجدران، ليتم بمعايير اللحظات الأخيرة قبل الاعتقال وتبدأ رحلة المقاومة الأولى للأسير بأن يبقى على حالة تواصل يحافظ على ان لا ينحصر داخل جدران الأسر، ان لا يسكنه السجن، وهنا يصبح للقراءة والكتابة والتواصل بالرسائل دوراً وقيمة تحافظ على علاقاتك وارتباطاته قدر المستطاع.

 

الشعور والاهتمام والتصورات

يغدو الأسير أكثر حساسية وجهد وتأثر مع تقدم السنوات داخل الأسر، وتترك بعض الأمور التي تعتبر تفاصيل التي قد تكون هي دون قيمة خارج الأسر، أثراً مهماً عليها، (الرسالة، السؤال، الاهتمام، المتابعة).

امور قد تكون مجرد تفاصيل لكنها تحمل معنى في إطار واقع مختلف، انها تؤكد على الوجود وتمثل للأسير رسالة هامة تتعلق ببقائه  واستمرار وجوده، وعدم قدرة الأسر على تغييبه، وبذات الوقت يلعب التصور المبني عن الواقع خارج الجدران اهمية لدى الأسير، فهو غالباً ما يكون إيجابي وغير واقعي، ويتجاوز قساوة الحياة، ليغدو هذا التصرف صدمة لدى الأسير المحرر الأول، ويعد كل تصور صدمة أخرى.

وعي ذلك وإدراك المسافة بين ما هو قائم وما نريد ان نصبوا يجعل الإنسان الأسير أكثر تحصيناً.

 

المعاني حين تفقد المعنى

ان الوجود في الأسر يحمل معنى، وداخل الأسر هنالك قيم ومفاهيم تتضمن معاني تتصارع وأخرى، فالانتماء، الجماعية، التضحية، الالتزام، الحرية، كمفهوم شامل، المصلحة العامة، العدو المسلكية الثورية، الإعداد للمناضلين داخل الأسر، قيم ومفاهيم تحمل معاني ممارستها، والقناعة بها باتت في خطر مع تفشي الأنانية واللاإنتماء والحسابات الشخصية، والفرز المناطقي، وانخفاض مستوى الاستعدادية والاهتمامات، وتمظهر الانقسام السياسي بأشكال عدة داخل الأسر، والإنشداد للحرية الشخصية دون فهمها وربطها بما هو أعم وأشمل.

مفاهيم وقيم ملتبسة، وأشياء تقسم المعنى تجعل الأسير متأثراً بما يحدث في الخارج، وتجعل الأسر موقع يحدد هدفيته،  فالقادم الجديد يحمل تصوراً عن الأسر أيضاً، يجده معاكساً، ليس تلك الأكاديمية الثورية ومجتمع العدالة النسبية والمساواة، فهذه المعاني تعرضت لهزة ولم تتقدم، وبقي هنالك الكثير من الأسرى حملة الراية وهنا تأثير الخارج على ما هو داخل الجدران، لتبدو الأخيرة حلقة من حلقات الاستهداف للمشروع الوطني.

 

المقاربات

تطوير الطقوس، العادات، التقاليد لتتلائم داخل غرفة الأسر، أحد ميزات حالة المقاومة ان تحدث مقاربة للأسر مع الخارج، يعني ان تٌبقي نفسك في حالة تواصل، أن تٌبقي على عادات محددة تلائمها وواقع مظلم، تؤكد من خلالها على بقائك، احدى مظاهره التأكيد على ذلك، أن تشكل حالة دعم ومساندة في الأفراح، ومشاركة في الاطراح، تؤكد على وجودك، وعزلك ونقلك عن واقعك، ان تحاول بناء طقوس يومية، تقاربها كما كان، تحفظ ذاكرتك، ان تسعى لإنشاء اكاديمية تعليمية داخل الأسر، يعني ان توصل رسالة بأنك مستمر ولا يمكن اعاقتك، تقارب الكثير من الأمور وتحاول ان تسحبها داخل واقع الأسر، لا تسير كما تريد بعض الأمور التفصيلية خارجاً، بعض الامور التفصيلية خارجه، تبدو جوهرية لكنك تحاول.

 

القهر: السياسة اليومية الثابتة

القهر تشعره بالعجز، بعدم القدرة احياناً على ان تكون بجانب عائلتك حين حاجتك، ان لا تستطيع ان تساعد زميلك، ان لا تتمكن من احتضان ابنك، ان تُمنع من رؤية عائلتك، ان يتم زجك بالزنازين، ان يتم فصلك عن اصدقائك ورفاقك، ان لا تستطيع المشاركة في هبات الصمود خارج الجدران، ان ترى طفلة غارقة بدمائها، ان لا تتمكن كما تريد من مساعدة الأسرى الأطفال والنساء الأسيرات، ان ترى معاناة الأسرى المرضى، ان لا تتمكن من إحداث خرق وتغيير، ولا تمتلك سوى المقاومة، وقهرك كذلك من أبسط الأشياء إلى اعقدها.

 

فكر المقاومة اليومية

لتبقى انسان لا تتشيئ، لتحافظ على فكرة، نهج خياراتي، استحقاق ذلك كبير، فالتقاط المواقف بما يتحقق عليها من استحقاق، بما تعنيه، تمثله، تشكله، بما تعبر عنه، وما تهدف له وما تقدمه كرسالة، ان تحافظ على المسلكية الثورية قيم ومفاهيم وأنماط، ان تبقى تدير معاركك يومياً، ان تعمل لتطوير واقع، ان تحافظ على كل أسير جديد، ان تدافع عن حقك كإنسان مناضل من أجل الحرية، ان تتواصل، تكتب، تقرأ، تعمل، ان تبقي على فكر الثورة ومنهجها، ان تدافع عن انسانيتك ضد محاولة تشويهها، وترفض كل اصطفاف، أن تؤمن بقدرتك على التأثير والتغيير، ان لا تُدجن ولا تمرر هدفية الاحتلال من الأسر، هذه تشكل حالة مقاومة واشتباك يومي.

التغيير والتأثير

الابتعاد عن الواقع، يجعلك حالم احياناً، لكن من غير العالم سوى الحالمين الفاعلين المؤمنين بقوة الفكر المقترن بالعمل.

اشكالية الأسير كثيراً ما تكون عدم القدرة على الانتقال من دائرة المتفاعل إلى الفاعل، فالشأن السياسي وعدم القدرة على الانتقال من حالة التأثر إلى التأثير، ارتباطاً بعوامل عدة، الاستياء من الحال السياسي وعدم القدرة على الإنجاز على المستوى الوطني يشعرها الأسير، فهو يدفع الثمن ويريد ان يرى ويلمس الإنجاز يتراكم، لكنن يقع كثيراً تحت تأثير الخطاب السياسي والثقافي التبريري، فلا يجير قوة حضوره ومكانته المعنوية ولا يحافظ على نوع من الاستقلالية النسبية، التي يمكن ان تكون ذات فائدة على المستوى الوطني، فلم نستطع كأسرى ان نؤثر منذ صدور وصياغة وثيقة الوفاق، ولم ندعم جدياً باتجاه انهاء الانقسام الذي تشكل وتدرج في واقعنا، ولم نتمكن من ان نقدم قوة مثال كما يجب، وهذه احدى اضعف تحديات الدور الذي يجب ان نمثله.

 

أكثر وأعمق من كنتين

ان يُختزل الأسير إلى مجرد راتب وكنتين جديد، الحرية أثمن بكثير، لكن التفاف الثقافة السائدة تربط معايير مادية تتعامل وكل الأشياء، وهذا ما أثر على واقعنا كأسرى ومازال، ليغدو الحديث والتواصل والطلب، ينحسب هذا الجانب، فنحن اكبر من كنتين والاهتمام والعمل يجب ان يتجاوز ذلك.

العجز عن صياغة استراتيجيات عمل من أجل قضية الأسرى لا يحل مكانه الحال، وتعثر المشروع الوطني لا يتم استنهاضه بالمال، وعدم القدرة على تقديم اجابات لا يحل مكانه المال، وتخريب واقعنا عن طريق المال السياسي لهو سمة هذا العصر، ونحن نحاول نهتم بذلك.

الثقافة إلى الوراء

انجاز الأسرى الأخير، كان القدرة على ادخال التعليم الاكاديمي، وهذا تحسن نوعي، ولكن حضور الثقافة داخل الأسر تراجع، ولم تعد ايضاً على رأس سلم اولويات المؤسسات أيضاً، ان تدعم بالكتب، بالدراسات، ان تعمل على رعاية دورات، ان تشبك الاسرى بالحياة الثقافية، ان تدعم مؤسسات ومراكز ثقافية نحو التفاعل والاسرى وحثهم على المشاركة في ورشات عمل ثقافية سياسية، ان توفر اصدرات حديثة، فالثقافة بالأسر وخارجه باتت اهتمام ثانوي.

 

مكان للإطلال

يوفر الاسر مكان يمكن ان تطل من خلاله على تجربة وتجارب، ان تنتقل وتقارن، ليس للجميع لكن لمن اهتم، وكان معني، موقع يمكن ان تثار فيه الاسئلة الصعبة، ومكان مرحلة البحث عن اجابات، يمكن استغلال هذه المرحلة من الحياة لتراكم معرفة وخلق العقل النقدي، وموقع يحتاج الى صلابة، ارادة ووعي للصمود وتجاوز هذه المحطة والتي يجب ان نراها موقع نضال متقدم وحتى في سياق النضال هو جزء من الفعل المقاوم لشعب يقاوم، فالنظرة الشاملة هامة تبقيك بأوسع المدارك واصلبها.

ختاما ان واقع الاسر حالة متشابكة ومتلاصقة ومكان الحياة بداخله ليست بالسهلة وتأثيراته على الانسان كذلك، فالأسير وهو يدخل عام جديد يطارده ايضا هاجس الحرية ويعمل عليها وينتظرها واثناء ذلك هنالك العديد من التحديات التي يجب ان يواجهها على كافة الاصعدة العامة والشخصية.

 

الاسير وائل الجاغوب

سجن رامون

1/5/2016م