مركز حنظلة_فلسطين المحتلة
الحلقة التاسعة عشر: بهائم بشرية
لم نكن نتصوّر أن تنقلب ممارسات شرطة مصلحة السجون "الإسرائيلية" على النحو الذي بلغته في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر، من حيث العنف والقمع والتجويع ومصادرة الحقوق الإنسانية، وانتهاك الكرامة البشرية، وصولًا إلى القتل والتعذيب الممنهج.
لكن هذا لا يعني أن السجون، قبل السابع من أكتوبر، كانت "فندق خمس نجوم"، كما وصفها وزير الأمن الفاشي بن غفير؛ فقد كان هناك مستوى من القمع، وإن كان في حدود مختلفة وله ملابساته. ومع ذلك، كان الأسير الفلسطيني يتمتع بالعديد من الحقوق، كالزيارة، والملابس، والطعام، وساحة النزهة، والصحيفة، والكتاب، فضلًا عن قدر من التعامل اللائق.
فقد كانت شرطة مصلحة السجون وضباطها يتعاملون مع الأسرى الفلسطينيين بوصفهم جسمًا منظمًا؛ ولهذا كانوا يهابونهم ويحترمون قواعد اللعبة التي فرضتها الحركة الأسيرة في التعامل معهم. ولم تكن مصلحة السجون تجرؤ على انتزاع أيٍّ من حقوق الأسرى بسهولة. فعلى سبيل المثال، عندما كان يتعرض أحد الأسرى لاعتداء أو شتيمة أو إجحاف، كانت المشكلة تُحل عبر الحوار، الذي كانت إدارات السجون تفضّله على القمع والتنكيل.
لقد كانت إدارة مصلحة السجون، شأنها شأن أي مؤسسة احتلالية، تتستّر وراء قشور ليبرالية، بهدف الظهور بمظهر المؤسسة الحضارية التي تخضع للقانون وتحافظ على الحقوق الإنسانية للأسرى.
وما إن حلّت لحظة السابع من أكتوبر حتى تساقطت تلك القشور، لتكشف هذه المؤسسة عن مستوى غير مسبوق من العنف والقمع والانحطاط والعنصرية والأحقاد الدفينة، وتتصرف كما لو أنها مؤسسة نازية تدير معسكرات للإبادة.
إن أقل ما يمكن أن يقال عن الممارسات والسياسات التي انتهجتها مصلحة السجون الإسرائيلية، بتوجيهات مباشرة من الوزير بن غفير، خلال الحرب، إنها ممارسات وسياسات «بهيمية». ولا أجد توصيفًا يعبّر عن تلك الحالة الغريزية المتوحشة التي استيقظت من مراقدها بعد اندلاع الحرب.
لقد تحوّل ضباط مصلحة السجون وشرطتها إلى بهائم بشرية بكل ما تعنيه هذه العبارة من معنى. ويكفي أن تراقبوا تصريحات بن غفير وأفعاله حتى تتبيّنوا الروح البهيمية التي استشرت في صفوف هؤلاء الضباط وأفراد الشرطة، وانتقلت عدواها إليهم؛ فـ "هذا الماء من لون الإناء". لقد كانوا يتصرفون وكأن روحًا شيطانية قد تلبّستهم، فانحدروا إلى الدرك الأسفل من الانحطاط. وكانوا مستلبين تمامًا، وكأنهم آلات تُحرَّك عن بُعد.
لن نتحدث هنا عن التجويع والضرب والاقتحامات وقطع الماء والكهرباء، وغير ذلك من الممارسات؛ فهذه أساليب قمعية قد تُمارَس في سجون مختلفة حول العالم. لكن تخيّلوا كيف كان هؤلاء السجانون يتصرفون بصورة مقززة؛ تصرفات تبعث، من جهة، على الشفقة على حالهم وما بلغته أفعالهم من انحطاط، ومن جهة أخرى، على احتقارهم، لأنهم كانوا، من خلال تلك الممارسات، يغطّون على عقد النقص التي يعانون منها، وكأن هذه الأفعال وسيلة للتعويض عن ذلك النقص.
وقبل استعراض بعض هذه الممارسات البهيمية، ينبغي التنويه إلى أن غالبية هؤلاء السجانين ينحدرون، بحسب ما لاحظناه، من فئات اجتماعية مهمّشة داخل المجتمع الإسرائيلي، ويشغل بعضهم مواقع هامشية في مؤسساته.
كما أن بعضهم، ولا سيما السجانات، يعملن في السجون بعد تعذّر التحاقهن بمؤسسات أخرى، لأسباب تتعلق بالمؤهلات الجسدية أو التعليمية أو غيرها. وقد وفّرت سياسات بن غفير ومناخ التحريض السائد بيئةً أُطلقت فيها النزعات الانتقامية، واتُّخذ فيها التنكيل بالأسرى وسيلةً لإظهار القوة وإرضاء المسؤولين.
وأودّ أن أُبرز بعض أشكال هذه الممارسات البهيمية:
1. الشتائم:
تعمد أفراد الشرطة إلى توجيه الشتائم النابية إلى الأسرى، وشتم الذات الإلهية، وكثيرًا ما كانت هذه الشتائم تُبث عبر مكبّرات الصوت.
2. التخريب داخل الغرف:
في كل الغرف التي كانت تتعرض للاقتحام، كان الأسرى يُعتدى عليهم بصورة همجية، ويُقيَّدون ويُخرجون من غرفهم، ثم يُرغمون على الانبطاح على بطونهم.
أما داخل الغرف، فكان يجري تخريب كل شيء: الدوس على المصاحف، وإلقاء الأغطية والملابس والفرشات في مياه الصرف الصحي، والدوس على الطعام والخبز، ومصادرة الثياب ومواد التنظيف والأدوات التي نحصل عليها من إدارة السجن نفسها.
3. التلذذ بعذابات المرضى والاعتداء على كبار السن وذوي الإعاقة:
كان بعض السجانين يتلذذون بمعاناة الأسرى المرضى، ويعتدون بالضرب المبرح على كبار السن والأسرى من ذوي الإعاقة.
4. سحب الفرشات:
كانوا يسحبون الفرشات يومًا أو يومين، ويُرغمون الأسرى على النوم فوق هياكل الأسرّة الحديدية أو على الأرض، في برد الشتاء القارس.
5. التقييد والتعصيب والإجبار على الغناء:
كانوا يربطون الأسرى بالحبال ويعصبون أعينهم أثناء اقتيادهم إلى محاكم الفيديو (V.C)، ويجبرونهم على الغناء.
6. رش الغرف بالغاز:
كانوا يرشّون الغرف بالغاز دون أي مبرر، غير آبهين بالحالات المرضية أو بوجود كبار السن بين الأسرى.
7. الإذلال باستخدام خراطيم المياه:
كانوا يُرغمون الأسرى على الجثو على ركبهم، ثم يقذفونهم بالماء عبر خراطيم المياه، بسبب مخالفات بسيطة، كالتأخر بضع دقائق في الحمّام أو في الخروج إلى ساحة النزهة.
8. منع الحلاقة وقص الأظافر:
كانوا يمنعون الأسرى من الحلاقة أو قص أظافرهم لأشهر طويلة.
9. اقتحام الغرف أثناء الصلاة:
كانوا يقتحمون الغرف أثناء أداء الصلاة، ويعتدون على المصلين بصورة همجية.
10. السطو على طعام الأسرى الشحيح:
كان بعض السجانين يتعمدون سرقة كميات من الخبز والبيض وغيرهما من المواد الغذائية المخصصة للأسرى. وكان الطعام يُوزَّع وفق عدد الأسرى في كل قسم، ما يعني أن سرقة أي كمية منه كانت تؤدي إلى نقص إضافي في حصصهم الغذائية.
11. الاقتحام والاعتداء لأسباب واهية:
كانوا يقتحمون الغرف ويعتدون على الأسرى لأسباب تافهة، كالعثور على ولاعة أو مسبحة أو قلامة أظافر أو قلم.
12. السحل والجرّ:
كان العديد من الأسرى يُسحلون وهم مقيّدون، ويُنكَّل بهم أثناء جرّهم من أيديهم وأرجلهم.
هذا غيض من فيض هذه الأفعال والممارسات التي تكشف عن عقول مريضة تحاول التعويض عن نقصها، وتسعى إلى إرضاء أسيادها.
إن أخطر ما في هذه الممارسات، التي حوّلت مرتكبيها إلى ما يشبه البهائم، هو احتقار الكرامة الإنسانية. فقد كانوا يبتكرون كل يوم وسائل جديدة للإذلال والتحطيم النفسي والمعنوي. فمثلًا، كان بعضهم يتلذذ بعذاب أسير مريض، ويسخر من صرخات ألمه. وكانوا يتلذذون وهم يسحبون جثمان أسير فارق الحياة بسبب الجوع أو المرض. كما كانوا يتلذذون بترك الأسرى مقيّدين لساعات تحت وطأة البرد القارس.
وقال لنا بعضهم: "قلموا أظافركم بأسنانكم، أو حكّوها بالجدار". وقال آخرون: "لا حاجة لكم بالاستحمام أو الطعام أو الدواء".
وأخيرًا، ستظل محفورة في ذاكرتي واقعة اليوم الأخير لنا في السجون، قبل أن نعانق الحرية بساعات.
اقتادونا ليلًا من سجن نفحة، الذي يبعد نحو كيلومتر واحد عن سجن ريمون. ربطونا بعضنا ببعض بالحبال، وجعلونا متراصّين ومتلاصقين، وأيدينا مقيّدة وأعيننا معصوبة. كان عددنا يقارب المئة أسير.
وكان علينا أن نسير مشيًا على الأقدام من نفحة إلى ريمون. وطوال الطريق، تعرّضنا للاعتداء والتعذيب المتعمّد. وكانت تلك الكتلة البشرية المتلاصقة، التي شدّت الحبال بعضها إلى بعض، تُسحب تارةً نحو اليمين وتارةً نحو اليسار، في مشهد من التنكيل المتواصل.
استمر التعذيب نحو ساعة على امتداد الطريق. وقبل إدخالنا إلى الحافلات التي ستقلّنا إلى سجن النقب، المحطة الأخيرة قبل التبادل، انهالوا علينا بالضرب العنيف. ضُربنا جميعًا في مختلف أنحاء أجسادنا؛ وتكسّرت أطراف بعضنا أو أضلاعه، ونزفت دماء آخرين، فيما تورّمت وجناتنا.
كانوا يتصرفون كبهائم بشرية منفلتة من عقالها.

