بقلم الأسير المحرر: كميل أبو حنيش

سلسلة حلقات: حكايات عن السجن والحرب

كميل أبو حنيش تصميم مركز حنظلة.png

مركز حنظلة_فلسطين المحتلة

الحلقة السابعة عشر: القطط والحمام والعصافير

لم يقتصر الجوع بعد السابع من أكتوبر على الأسرى وحدهم، بل امتدَّ ليشمل الكائنات الأليفة، كالعصافير والحمام والقطط، التي أحسَّت بالجوع هي الاخرى. تلك الكائنات التي تآلفت مع الأسرى لسنواتٍ طويلة، ورضيت أن تعيش بقربهم في الصحراء الجافة؛ لأنها كانت تتلقّى طعامًا طيّبًا. لقد اعتادت القطط التي كانت تتكدَّس أسفل نوافذ الحجرات أن تتناول من طعامنا في سنوات الوفرة، أمّا العصافير والحمام فكانت تتغذّى على الحبوب وبقايا الخبز.

وما إن اندلعت الحرب، وشرعت إدارة السجن في تطبيق سياسة تجويع الأسرى، حتى انعكس ذلك على طعام تلك المخلوقات، التي أخذت تذوي مع الأيام وتتكدَّس قرب النوافذ والأبواب، وكان منظرها يبعث على الشفقة والحزن. ورغم الجوع وقلّة الطعام، قاسمناها طعامنا الشحيح.

أذكر مشهدًا صدمني في يناير من العام 2024، وكانت الحرب تدخل شهرها الرابع. كنّا في إحدى الغرف، وكان الطعام لا يزال جماعيًّا، رغم قلّته. وكان الرفيق يزن مغامس يُعِدُّ لنا العشاء، فيما كانت أضواء الحجرة مطفأة، وكنّا نعتمد على الأضواء التي تتسلّل إلينا من مصابيح ساحة السجن الخارجية.

كنتُ وافدًا جديدًا إلى الغرفة. وبينما كنت أتمشّى، وكان يزن لا يزال يُعِدُّ الطعام ويقسّمه بين الأطباق، رأيتُ قطةً واهنةً وضعيفةً؛ لكنها جميلة، تقف على النافذة، وكان زجاجها مغلقًا. كانت تُراقب يزن بصبر. توقّفتُ وتأمّلتُها، وإذا بها لا تصبر، فمدّت يدها من بين فتحات الشبك الخارجي للنافذة، وطرقت بيدها على الزجاج، مُنبِّهةً يزن. رأيتُه ينظر إليها ويشير إليها بيده أن تنتظر قليلًا. فعادت القطة تنتظر حتى أتمَّ يزن إعداد العشاء، فيما احتفظ لها بالبقايا. فتح النافذة، وراح يُطعمها بيده، وكانت القطة تبتلع الطعام بنهم.

يا الله، كم كان المشهد صادمًا وجميلًا وإنسانيًّا! سألتُ يزن: "هل فهمت عليك عندما أشرتَ إليها بأن تنتظر؟" فأجابني بثقة: "طبعًا".

لقد دأبت القطة على المجيء كل يوم لتنال نصيبها. وعلى ما يبدو، كانت القطط تتوزّع على حجرات الأقسام حتى لا تتزاحم. فقد رأيتُ، على مدار عامين من الحرب، عددًا منها بجانب الغرف والأقسام التي تنقّلت بينها، وعلى ما يبدو أنها تعلّمت هي الأخرى ثقافة الصبر والاحتمال. ففي شهر رمضان، مثلًا، حيث كان الطعام يُحضَّر مساءً، كانت هذه القطط تأتي في المساء، ولا تأتي نهارًا؛ لأنها أدركت أن لا طعام في النهار في مثل هذه الأيام.

أمّا الحمام والعصافير، فتلك حكاية أخرى؛ فقد كانت تتجمّع أفرادًا وجماعاتٍ على مداخل الأقسام، ولا سيّما العصافير، انتظارًا لوصول الطعام. وما إن كان يجري وضع صناديق الطعام المعدنية على الأرض، حتى كانت تسارع بأعدادٍ كبيرة إلى الهجوم على شرائح الخبز وصناديق الأرز، وتبدأ بالتهامها بطريقةٍ لم نعهدها من قبل. كنّا ننتظر خروج العمّال حتى يوزّعوا الطعام قبل أن تتلقّفه العصافير، وكثيرًا ما كان يصلنا الخبز ممزّقًا.

وفي الأوقات الفاصلة بين الوجبتين، كانت العصافير تنتظر لساعات. وأذكر، في سجن ريمون، حيث كانت أبواب الغرف تطلّ مباشرةً على الساحة، أنّني كنت أتأمّل تلك العصافير التي تنتظر لساعاتٍ قدوم الطعام. وكانت تنتابني مشاعر الشفقة عليها، فسارعتُ إلى كيس الخبز، وأخذتُ منه شريحةً، ورحت أفتّتها وأنثرها من فتحة الباب (الأشناف). فجاءت العصافير تباعًا، وسرعان ما التهمت ما نثرته لها. فأخذتُ شريحةً أخرى، وفعلتُ كما فعلتُ في المرة الأولى.

كانت العصافير تأتي من كل حدبٍ وصوب، حتى إنّ عددها كان يقارب المئة. تقاسمت تلك الفُتات، فسررتُ، وخاطبتها قائلًا: "هذا يكفي، غدًا سأُطعمكنّ من جديد".

وقد دأبتُ، كل يومٍ على مدار شهرٍ كامل، على إطعام العصافير من حصّتي من الخبز، التي كانت تبلغ اثنتي عشرة شريحةً، أخصّص منها شريحتين للعصافير، وذلك قبل أن يجري نقلي إلى سجن نفحة. وقد انتقلت هذه المبادرة إلى أسرى آخرين، فأخذوا يُطعمون العصافير من مخصّصاتهم من الخبز، في صورةٍ يتجلّى فيها الرقيّ الإنساني، والتضامن مع تلك الكائنات الرقيقة الجميلة.

وفي سجن نفحة، دأبت يمامةٌ بنية اللون (حمامة الرقطى) على الوقوف عند نافذة الغرفة. وكنتُ أخصّص لها شريحةً من الخبز يوميًّا. وقد لحقت بي إلى ثلاث غرفٍ تنقّلت بينها. وفي إحدى المرات، أحضرت معها بعلها، فاضطررتُ إلى تخصيص شريحتي خبزٍ، وكنتُ أُطعم زوج اليمام بيدي.

وفي شهر رمضان من العام 2025، كانت تأتي مع بعلها وقت السحور، فأجدها تنتظرني عند الساعة الثالثة أو الرابعة صباحًا. وعلى ما يبدو، فقد تعلّمت من القطط؛ إذ كانت تتناول، هي وزوجها، مخصّصهما من الخبز، ثم تطيران. وبعد رمضان، راحت تأتيني صباحًا، أو في ساعات الظهيرة، أو مساءً. وكنتُ أسكب لها الماء على طرف النافذة، فكانا يأكلان ويشربان، ثم يطيران بعيدًا.

هكذا تقاسمنا طعامنا مع تلك الكائنات الأليفة في سنوات الجوع في سجون «إسرائيل» الفاشية؛ فعاشت معنا، وجاعت معنا، وتعذّبت معنا في سجون هذا الاحتلال المجرم.