مركز حنظلة_فلسطين المحتلة
الحلقة السادسة عشرة: الفورة
منذ عقود، تناضل الحركة الأسيرة الفلسطينية لتحسين شروط حياة الأسرى داخل السجن، وخاصةً في ساحة النزهة التي اصطلح على تسميتها "الفورة". فالفورة هي أحد أهم المكاسب في السجن، إذ تمثّل المتنفّس الوحيد خارج الحجرات، حيث الشمس والهواء النقي، ومكان التفاعل الاجتماعي والاعتقالي. كنّا نسمّيها الساحة، حيث نلتقي كل يوم، ونمارس الرياضة، ونتفاعل مع الأصدقاء.
وفي السنوات الأخيرة التي سبقت اندلاع الحرب، تمكّنّا، بفضل نضالنا الاعتقالي، من تحسين ظروف الفورة ومدّتها، بحيث غدت مدّتها تقارب عشر ساعات يوميًّا، وفي بعض السجون، كالنقب، كانت الساحة مفتوحةً على مدار أربع وعشرين ساعة.
ومنذ اليوم الأول لاندلاع الحرب، أغلقت الإدارة الغرف وحوّلتها إلى زنازين ولم تعد تسمح بالخروج الى الفورة. فمثلًا، في سجن ريمون، حيث الحمّامات داخل الغرف، كانت الأبواب مغلقةً طوال الوقت، ولم يُسمح لنا بالفورة مدة ستة أشهر تقريبًا، حتى تاريخ 21/3/2024. أمّا السجون التي كانت فيها الحمّامات خارج الغرف، فكان يُسمح للأسرى بالخروج للاستحمام مدةً لا تزيد على خمس عشرة دقيقة إلى نصف ساعة.
وفي كل الأحوال، تسبّب حرماننا من الفورة، إلى جانب الاكتظاظ، في انتشار الأمراض الجلدية على نطاقٍ واسع، ولم تسلم غرفة من إجراءات القمع والمداهمات.
إذن، بقينا في سجن ريمون وسجون أخرى بلا أيّة فورة مدةً تقارب نصف عام، إلى أن فوجئنا بدخول أعداد من شرطة السجن إلى الأقسام. وبتاريخ 21/3/2024، ومن دون أن يبلغونا بأيّ شيء يتعلق بالفورة، أخذوا يرسمون خطًّا أصفر على شكل مستطيل، يحيط بالساحة من جميع الجهات، بحيث يمنع هذا الخط أيّة إمكانية للاقتراب من الغرف. ولاحقًا، عرفنا أنّ التماسًا رُفع إلى المحكمة، التي أقرت بدورها حقّنا في الخروج إلى ساحة النزهة.
وفي اليوم التالي، أبلغتنا الإدارة بالسماح لنا بالخروج إلى الفورة مدة ساعة يوميًّا، لكن هذا القرار صاحَبَته مجموعة من المحظورات:
- يُمنع تجاوز الخط الأصفر.
- يُمنع الاقتراب من الغرف.
- يُمنع المناداة على الأسرى في الغرف الأخرى أو الحديث معهم.
- يُمنع الجلوس أو التوقف في الساحة.
- يُسمح لأربع غرف بالخروج إلى الفورة مدة ساعة واحدة.
وأيّ مخالفة يرتكبها أيّ فرد ستؤدي إلى معاقبة الغرفة بأكملها، وإدخال أفرادها فورًا إلى حجراتهم، وحرمانهم من الفورة في اليوم التالي.
ورغم كل هذه المحظورات، كانت فرحتنا عارمةً بهذا التطور الذي سيتيح لنا رؤية الشمس والتفاعل، ومعانقة بعضنا بعضًا. كنّا نقف على الأبواب ونتطلّع إلى إخواننا الذين كانوا يخرجون إلى الفورة، ونشير إليهم عن بُعد من دون كلام. كانت الأجساد ذابلةً بعد نصف عام من التجويع والقمع والإذلال.
لكن إدارة السجن لم تسمح لنا بالتمتّع بهذا الإنجاز، فما إن كنّا نخرج إلى الفورة حتى تعاود إدخالنا إلى الغرف لأسباب واهية. فإذا قطع أحدنا الخط الأصفر من دون قصد، أو تحدّث أحدنا مع صديقه في الغرفة المقابلة، أو تعب أحدنا وتوقف عن المشي أو جلس أرضًا، سرعان ما تضجّ سماعة السجن بالصراخ، وتتعالى الأوامر مطالبةً الجميع بالدخول إلى الغرف.
ولا أذكر أنّنا أكملنا ساعةً كاملةً في الفورة من دون أن ينغّصوا علينا. ومع ذلك، كنّا نستمتع بهذه الدقائق الذهبية، ونتعانق ونتفاعل مع الأصدقاء.
أمّا في بقية السجون التي كانت فيها الحمّامات خارج الغرف، فلم تكن مدة الفورة تزيد على ربع ساعة، وهي مدة لا تكاد تكفي للاستحمام والتمشّي بضع دقائق في الساحة.
وكثيرًا ما كانت الإدارة تعمد إلى قمعنا أثناء الفورة؛ إذ كانت قوات القمع تقتحم الساحة فجأةً ونحن فيها، مع إطلاق قنابل الصوت والاعتداء علينا بالضرب، ومطالبة الجميع بالاستلقاء على الأرض، من دون أيّ سبب.
أجل، لقد سمحت لنا إدارات السجون بالخروج إلى الفورة انصياعًا لقرار المحكمة العليا، لكنها حوّلت الفورة إلى أداة للتعذيب والتنكيل، ولا تزال هذه السياسة مستمرةً منذ نحو ثلاث سنوات.

