خاص_مركز حنظلة
الحلقة الثانية عشرة: مصادرة الكتب والأقلام
تضمّنت إجراءات إدارة السجون بحق الأسرى أثناء الحرب منع أي وسيلة للتثقيف أو تلقّي المعلومات، حيث سُحبت أجهزة التلفاز والكتب والأقلام، ولم يُسمح إلا ببعض النُّسَخ من المصاحف لكل غرفة.
لقد استطاعت الحركة الأسيرة، منذ بداية النضال الاعتقالي في سنوات السبعينيات، تطوير الحياة الثقافية في السجون، وطوال العقود الماضية أدخل الأسرى عبر الزيارات مئات الآلاف من الكتب والدوريات، حتى غدت مكتبات السجون ثرية بكتب التاريخ والفلسفة والأدب والدين والثقافة والسياسة والكتب الأكاديمية، كما تطورت الحياة الأكاديمية والتعليم الجامعي، وكانت الجلسات الثقافية المتنوعة إحدى أهم الوسائل في التثقيف الجماعي وإنتاج الكادر الاعتقالي الوطني.
نعم، لقد كانت السجون طوال ستة عقود مصدر فخر للشعب الفلسطيني، الذي اكتوت أجياله في هذه السجون؛ رجال ونساء وأطفال وشيوخ، وعمال وفلاحون وأساتذة جامعات وأطباء ومهندسون.
ومنذ أن نشأت الحركة الأسيرة أوائل سبعينيات القرن الماضي، احتضنت مئات الآلاف من الأسرى والمعتقلين، وسعت بشكلٍ دؤوب إلى تثقيفهم وبث الوعي السياسي والوطني، وتنشئتهم تنشئةً وطنية وأخلاقية ومسلكية ثورية. خرّجت السجون الكتّاب والمثقفين والقادة والكوادر الوطنية؛ فكانت السجون بالفعل جامعة الشعب الفلسطيني، ونموذجه في الصبر والصمود وديمومة الثورة.
هكذا كان حال الأسرى في سجون العدو حتى حَلّت لحظة السابع من أكتوبر، لتنقلب الأوضاع رأساً على عقب. وكان من أهم القرارات التي أصدرها الوزير الغبي بن غفير مصادرة الكتب والكراسات وإتلافها، ومنع الأسير الفلسطيني من تداول أي كتاب، حتى لو كان كتاباً صغيراً، وكان السجانون يداهمون الغرف ويصادرون الكتب إلى جانب الحاجيات الأخرى.
وقد تداول الأسرى في الأسابيع الأولى للحرب أخباراً تفيد بأن بن غفير قام بإحراق آلاف الكتب التي جرت مصادرتها من سجن النقب، في أحد مكبّات النفايات في منطقة بئر السبع. وقد وردنا هذا الخبر على ألسنة الأسرى الجدد الذين تدفقوا على السجون، وكانوا قد شاهدوا فيديو إحراق الكتب وأمتعة الأسرى على أجهزة التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يجري اعتقالهم.
وإذا كانت هذه الرواية صحيحة، فإن ما أقدم عليه هذا المأفون يُعدّ سلوكاً همجياً، ربما لم يحدث إلا مرات قليلة في التاريخ البشري، وهذا السلوك يدلّل على ما وصلت إليه دولة الاحتلال من انحطاط وتخلّف لا يقلّ عن انحطاط وتخلّف المغول عندما دخلوا بغداد قبل أكثر من ألف عام، وارتكبوا مذبحة رهيبة بحق البشر وعشرات الآلاف من الكتب التي كان يجري إحراقها وإتلافها في نهر دجلة.
وهذه المذبحة الثقافية التي ارتكبها بن غفير وعصابات مصلحة السجون يجب أن تُؤرَّخ وتُتابَع، ويجري فضح هذه السياسات المنافية للأخلاق الإنسانية وحضارة إنسان العصر.
فهم يقتلون الإنسان، ويدمّرون المعالم الأثرية، ويقطعون الأشجار، ويهدمون البيوت، ويجوّعون ويصادرون الحريات، ويحاربون أي شكل من أشكال الثقافة الفلسطينية.
ورغم مصادرة معظم الكتب في السجون، إلا أن العديد من الكتب قد أفلتت من المداهمات، وبات لدينا في كل قسم عدد محدود من هذه الكتب المتنوعة، كان يجري إخفاؤها بين المصاحف وبعض الحاجيات، حيث شكّلت هذه الكتب الشحيحة إحدى أهم الوسائل لمواصلة التثقيف والمطالعة، وتبديد الفراغ الذي خلّفه إغلاق الغرف والأقسام لفتراتٍ طويلة. وكانت هذه الكتب تطوف على غرف الأسرى ويجري تداولها بشغف.
ومن الطريف أن المطالعة الذاتية وقراءة الكتب كانتا قد تراجعتا في السنوات الأخيرة التي سبقت الحرب، بفعل عوامل مختلفة، أهمها الانشغال في التعليم الأكاديمي، إضافةً إلى وجود الهاتف في السجون، فضلاً عن تراجع الحياة الثقافية في السجون.
غير أن إقبال الأسرى بشغفٍ كبير على مطالعة الكتب المحدودة أثناء الحرب أثار الكثير من التعليقات الساخرة والتندّرات بحق بعض الأسرى الذين لم يطالعوا كتاباً في السابق. وباتوا في الحرب يلاحقون الكتب بين الغرف ويمضون ساعات طويلة في المطالعة.
أما الأقلام والأوراق، فقد جرت مصادرتها بالتدريج إلى أن أصبحت ممنوعة تماماً، وخاصة الأقلام. وكنا نضطر إلى أن نُخبّئ قلماً في أماكن سرية. فقد كنا نحتاجها لأغراض المراسلة فيما بيننا وبين الغرف، وكذلك لمراسلة الأقسام من خلال الأسرى الذين كانوا يخرجون إلى المحاكم.
وهذه الرسالة كنا نكتبها على أوراق التواليت بعدما لم يتبقَّ لدينا أية ورقة للمراسلة.
وفي وقت لاحق، لم يتبقَّ لدينا أية أقلام؛ فابتكرتُ وسيلة الطبق البلاستيكي التي أشرنا إليها في حلقة سابقة، بحيث يجري كتابة الرسائل القصيرة على هذا الطبق من خلال أداة معدنية كالبرغي مثلاً.
أما الجلسات الثقافية التي دأبنا على تنظيمها لسنوات طويلة، فقد مُنعت تمامًا، وأخذت إدارة السجون تداهم الغرف التي تُعقد فيها الجلسات وتعتدي على الأسرى. لكن هذه الجلسات تواصلت بصورة سِرّية في بعض الغرف. وكنت شخصياً أواصل إعطاء هذه الجلسات طوال عامين من الحرب، حيث تنقلت بين الكثير من الغرف خلال هذه الفترة، وكنت أثابر على هذه الجلسات، وكنا نضطر إلى تنظيم هذه الجلسات أثناء الليل والأضواء مضاءة، مع مراقبة حركة السجانين.
وقد كنا في هذه الجلسات نناقش مجريات الحرب وتطوراتها وتداعياتها، إلى جانب مواضيع سياسية وفكرية وتاريخية وثقافية.
أما القرآن الكريم، فقد كان الكتاب الوحيد الذي يُتاح لنا قراءته من دون عقوبات، حيث كان مسموحاً بعدد محدود من المصاحف في كل غرفة. وكنت من بين الكثير من الأسرى أقرأ القرآن يومياً، وصممت على حفظه، حتى يتسنى لي حفظه في غضون تسعة أشهر.
لكن الذاكرة والعمل لم يسمحا بحفظه فترة طويلة. غير أن الإدارة واصلت ملاحقتها للكتب، وطالت حتى المصاحف التي كانت مسموحة، بحيث صادرت كامل المصاحف من بعض الغرف التي كانت تتعرض للقمع. وفي وقت لاحق، قلّصت أعدادها حتى غدت اثنين أو ثلاثة، وفي بعض السجون لم تسمح إلا بمصحفٍ واحد في كل غرفة.
هكذا كان الحال مع إدارة السجون في قمعها للحياة الثقافية في السجون أثناء الحرب، ولا تزال هذه السياسة مستمرة على نحوٍ أشد، رغم مرور عام على وقف الحرب.

