خاص_مركز حنظلة
الحلقة الحادية عشر: الخط الأصفر
ربما لا يعرف كثيرون أن السجون "الإسرائيلية" تحوّلت، في العقدين الأخيرين، إلى ميدان لإجراء التجارب على الأسرى الفلسطينيين في مختلف المجالات (الطبية، والنفسية، والاجتماعية، والسياسية، والإنسانية)، بهدف استنباط نتائج تصلح أن تكون نموذجًا لتطبيقه في الضفة والقطاع؛ بما في ذلك استمالة مجموعات موالية لإدارة السجن.
ومنذ السابع من أكتوبر، استخدمت مصلحة السجون الصهيونية مختلف أساليب القمع والتنكيل، واستحدثت وسائل أخرى غير مسبوقة في السجون، مثل: التجويع، ونشر الأمراض، والإهمال الطبي، وتقليص الحقوق الإنسانية إلى أقل من حدها الأدنى، والعنف، والغاز، والقتل، والمداهمات، ومصادرة الأمتعة والملابس والكتب، ومنع الشعائر الدينية والاتصال بالعالم الخارجي، وغرف التبريد، والشبح، وامتهان الكرامة الإنسانية... إلخ. وقد جرى تطبيق هذه الوسائل وغيرها في حرب الإبادة على غزة.
أما الخط الأصفر، الذي استُحدث في غزة ولاحقًا في لبنان، فقد بدأ في السجون عام 2024 وسيلةً لتقليص الحيز المكاني الذي يتحرك فيه الأسير، وآليةً للضبط، وذريعةً للقمع في حال جرى تجاوز هذا الخط.
وبالرغم من استخدام الخطوط الملونة من جانب دولة الكيان في ترسيم حدودها مع الدول المجاورة؛ كالخط الأخضر على حدود الضفة والقطاع عام 1949، والخط الأرجواني في الجولان بعد حرب 1967، والخط الأزرق بعد اندحار "إسرائيل" من جنوب لبنان عام 2000، فإن الخط الأصفر، واستخدامه بدايةً في السجون ثم سحبه لاحقًا إلى غزة ولبنان، يؤكد استخدام السجون ميدانًا للاختبار ومجالًا للتجريب بصورة سافرة وغير إنسانية.
أذكر أن البداية في السجون كانت بتاريخ21/3/2024، عندما سُمح لنا بالخروج إلى ساحة النزهة "الفورة"، بعد قرار من المحكمة، وبعد حرمان استمر قرابة ستة أشهر. وقد أدى هذا الاحتجاز القسري طوال تلك المدة داخل الحجرات، وفي ظل الاكتظاظ الشديد (بين 12 و15 أسيرًا في حجرة تتسع لستة أفراد)، إلى انتشار الأمراض الجلدية وغيرها من الأمراض.
لكننا لم نكن نعلم بهذا القرار، إذ فوجئنا صباح ذلك اليوم باقتحام عدد من الضباط والشرطة، برفقة عدد من عمال الصيانة، للساحة، ومباشرتهم رسم خط أصفر على طول الساحة وعرضها، بحيث يُمنع على أي أسير تجاوزه أو الاقتراب من الحجرات. كما قررت إدارة السجن أن أي أسير يجتاز الخط الأصفر بقدمه سيُعاقَب القسم بأكمله بحرمانه من "الفورة".
كنا في سجن ريمون في ذلك الوقت، وشاهدنا كيف جرت عملية رسم الخط الأصفر، وكيف كانت معاقبتنا لا تقتصر على تجاوز الخط الأصفر، وإنما كان يُحظر علينا أيضًا الحديث مع الأسرى داخل الغرف.
وكنا نُعاقَب بحرماننا من "الفورة" يومًا أو يومين بسبب مخالفة ترتكبها إحدى الغرف. وقد جرى رسم هذا الخط الأصفر في مختلف ساحات السجون، لكنه لم يقتصر على الساحات، بل امتد إلى داخل الغرف خاصة في سجن نفحة، حيث رُسم خط أصفر في آخر الحجرة، فيتكدس الأسرى وراءه أثناء العدد، وخط أصفر آخر على شكل مربع عند باب الحجرة، يُحظر على الأسير تجاوزه عند الحديث مع السجان.
وقد استخدمت إدارة السجن العنف في حال تجاوز الخط الأصفر داخل الغرف، إما بإطلاق الرصاص المطاطي، أو رش الغاز، أو استخدام المسدس الكهربائي. وكان من الواضح أن هذه الوسائل كانت تجريبية، لقياس ردّة فعلنا تجاه الإذعان لهذه القرارات، ومدى مقاومتنا لها أو الاحتجاج عليها.
إن ترسيم الخط الأصفر في السجون هو تكريس لسياسات جديدة، وربما دائمة، لإبقاء حالة التوتر والقلق سائدة في السجن، إذ يوحي اللون الأصفر بالتحذير والانتباه والخطر.
وعند استخدامه حدودًا أمنية جديدة، كما في حالة غزة ولبنان، فإنه يعني الحذر والترقب والتحذير من الاقتراب من هذا الحد، الذي يمثل خطرًا على المصير في حال الاقتراب منه.
وبصرف النظر عن هذه الألوان في رسم حدود دولة الكيان، فإنها تظل خطوطًا رسمها الاحتلال التوسعي، وتعكس، في الوقت ذاته، الهلع الكامن في مجتمع المستعمرين، الذي يرى في أمنه بقرة مقدسة. وإن هذه الحدود، مهما تعددت، لن تقف عائقًا أمام إرادة الشعوب التي تقاوم في سبيل وجودها وحقوقها، وبفعل المقاومة وحدها ستمحى هذه الخطوط، بعد أن تعبرها جحافل الثوار، طال الزمن أم قصر.

