خاص_مركز حنظلة
الحلقة العاشرة: الحاجة أمُّ الاختراع
انتهجت إدارة السجون "الإسرائيلية" أثناء الحرب سياسة تجريد الأسرى من أبسط حقوقهم المادية تدريجيًّا، والإمعان في إهانتهم وإذلالهم والاعتداء عليهم. ومع توالي الأيام، لم يتبقَّ للأسير سوى بطانيته وفرشته وملابسه التي يرتديها. وصادرت الإدارة أثناء المداهمات كل ما بحوزة الأسرى، حتى الأشياء الصغيرة منها، كالإبرة والأطباق وقلامة الأظافر وشفرات الحلاقة وعبوات الماء الفارغة والأغطية والملابس والأقلام والكتب والمصاحف ومواد التنظيف والأدوات الكهربائية، وصادرت من داخل الغرف الكراسي والطاولات والحقائب والاسكملات والسجائر والولّاعات. كما أنها، في مرحلة لاحقة، قامت بتفكيك عدد من الخزائن الصغيرة، ووصل الحد إلى مصادرة العلب البلاستيكية، كعلب الحمص والألبان، التي كنا نستخدمها في استقبال الطعام الشحيح.
لكن الأسير الفلسطيني لم يستسلم ولم يرضخ لهذه السياسات اللاإنسانية؛ ذلك الأسير الحالم بحريته، والمنتمي لقضيته وشعبه، أخذ يبتكر الوسائل التي تعزز من صموده وتتحدى صلف وعنجهية إدارة السجون، التي أرادت عزل الأسير عزلًا تامًّا عن العالم، بهدف كسر إرادته وإضعافه والانتقام منه.
فعلى صعيد إدارة الطعام، وفي ظل سياسة التجويع المستمرة، ابتكر الأسرى – بسبب الواقع المرير – نظام ما يُسمّى بالمقايضة بين مختلف أصناف الطعام الشحيح، وهو ما كنا نطلق عليه تندُّرًا "السوق". وبالرغم مما حمله هذا النظام من مظاهر سلبية (سنأتي على تفصيلها في حلقة خاصة)، ألحقت الأذى بسمعة الأسرى، إلا أنه خفف الكثير من وطأة الجوع وسدَّ الحاجة.
وحسب هذا النظام، الذي نشأ في الشهر السادس للحرب ثم أخذ يتطور تدريجيًّا، يتلخص الأمر بمقايضة الأسرى أصنافًا من طعامهم فيما بينهم داخل الغرفة، ومن ثم انتقلت العملية إلى مستوى القسم، كأن يجري تبديل اللبن بالحمص، أو قطعة الحبش بعدة شرائح من الخبز، أو بضعة ملاعق من المربى بالتونة أو البيض، وهكذا.
أما "السلعة" التي اعتُمدت معيارًا لبقية السلع، فكانت شرائح الخبز. فمثلًا، البيض يعادل شريحتين من الخبز، واللبن ثلاث شرائح، وهكذا.
وتجري عملية التبادل بين الأسرى من خلال وسطاء "تجّار"، كانوا يمضون وقتهم بالمناداة على بعضهم من خلال الشبابيك وعقد الصفقات. والغريب في هذا النظام أنه نشأ في كافة السجون من دون تنسيق، وهذه ظاهرة لافتة تستدعي من حقل الاقتصاد والعلوم الاجتماعية دراستها. وهو ما يحيلنا إلى الإنسان البدائي الذي ابتكر أسلوب المقايضة للسلع في أول اقتصاد للسوق في التاريخ.
مع أن هذه الظاهرة، بالنسبة للكثيرين، بمن فيهم كاتب هذه السطور، تمثل إحدى الظواهر السلبية التي أنتجها واقع التجويع القسري، إلا أنها حلت العديد من المشاكل، ومن أهمها تعلُّم الأسرى الاقتصاد في استهلاك الطعام، وإعادة تدوير ما يتحصلون عليه من إدارة السجن، ومبادلته بما ترغب النفس، لأنه طعام رديء على أية حال.
وكنا قد ذكرنا في حلقة سابقة كيفية شحن البطاريات الصغيرة الخاصة بأجهزة المذياع. فقد كنا نستغل عودة التيار الكهربائي لساعة واحدة مساءً، وتجري عملية شحن البطاريات من خلال مصباح الحمام. وقد ابتكر الأسرى شواحن بدائية لشحن هذه البطاريات.
أما إشكالية الثياب، التي أخذت تتفاقم بفعل المداهمات والمصادرات، بحيث لم يتبقَّ للأسير سوى غيار واحد، فكانت هذه الثياب المتبقية تتهرأ سريعًا بسبب استخدامها بكثرة، وبسبب تمزقها بفعل المداهمات الهمجية والاعتداءات على الأسرى، أو بسبب استخدامها من قبل أكثر من أسير، فكانت تقتضي الحاجة إلى إعادة رتقها من جديد.
لكن الإدارة صادرت كل شيء، بما فيها إبر الخياطة. فما العمل؟ لقد ابتكر الأسرى إبرة تفي بالغرض، وذلك من خلال سلك الكهرباء النحاسي. حيث تم فتح معظم علب الدوائر الكهربائية داخل الغرف، وجرى سحب الأسلاك التي استُخدمت لأكثر من غرض، منها اختراع إبرة الخياطة.
وكان يجري قطع سلك صغير بطول الإبرة، ومن ثم تجري عملية برده ببراعة في حديد البرش حتى يغدو كرأس الإبرة. أما عملية ثقب هذه الإبرة المستحدثة، فكانت تتم من خلال برغي، وباستخدام أداة ثقيلة، كيد الحنفية، التي كانت تُستخدم كَشاقوش؛ إذ يجري طرقها على البرغي بمهارة بعد تجليس طرف السلك المعدني، لتخرج في نهاية المطاف الإبرة المصنوعة بطريقة مميزة.
وقد تحلّى عدد من الأسرى بهذه المهارة، وتطور شكل تصنيعها حتى غدت كالإبرة العادية.
أما الخيوط، فكان يجري نسلها من البطانيات أو الملابس التالفة. وقد حلت هذه الإبرة مشكلة كبيرة، وباتت تُستخدم في رتق الثياب، وأيضًا الشباشب والنعال والأغطية.
كما ابتُكر من الأسلاك المعدنية أيضًا ما يُعرف بـ"المزليك"، وذلك لتسخين المياه لإضافتها إلى الطعام والشوربة الباردة أو الشاي البارد. وهذا المزليك مؤلف من سلكين، ثم يجري شبكهما بقطعة معدنية يجري استئصالها من علب الكهرباء أو النيون. وعندما كانت تعود الكهرباء في المساء، يوضع طرفا السلكين في ابريز الكهرباء، وتجري عملية تسخين المياه أو الشاي.
أما الأطباق البلاستيكية التي تُستخدم لمرة واحدة، فقد استُخدمت لكتابة الرسائل. وكان يتم توزيع عشرة أطباق أسبوعيًّا من قبل الإدارة لكل غرفة، وباتت هي الأطباق الثابتة المستخدمة في تناول الطعام.
وبعد أن صادرت الإدارة الأقلام والأوراق والكتب من داخل الغرف، وفي ضوء الحاجة الملحّة للمراسلة بين الغرف وتنسيق المواقف وتعميم الأخبار والمعلومات أو البيانات، كان يجري الكتابة على باطن هذه الأطباق من خلال أداة كالبرغي، مثلًا. وكانت هذه الكتابة تُمسح بسهولة بعد قراءتها، وقد حلت هذه الأطباق مشكلة كبيرة في التواصل بين الغرف وتبادل المعلومات، خاصةً أن الغرف كانت مقفلة بشكل دائم، باستثناء بضع دقائق للفورة أو الاستحمام.
وكان العمال يمضون وقتهم في تمرير هذه الأطباق بين الغرف. وقد اكتشفت الإدارة هذه الحيلة، فكانت تلاحق العمال الذين يحملون هذه الأطباق، ويجري معاقبتهم ومعاقبة الغرف التي أرسلت الرسالة.
أما قلامة الأظافر، فقد استُخدمت بقص الشعر وتشذيب الذقن، إلى جانب استخدامها لتقليم الأظافر. وبعد تلف قلامات الأظافر ومصادرة الإدارة لبعضها، بحيث لم تتبقَّ أية قلامة للأظافر داخل القسم، فقد ابتكر الأسرى طريقة حكّ الأظافر في الجدار، بحيث يجري اختيار بقعة خشنة في الجدار، وهناك كنا نمضي أكثر من ساعتين ونحن نقلّم أظافرنا بطريقة الحك، التي كانت تدمي أصابعنا. والبعض كان يضطر إلى قضم أظافره من خلال الأسنان.
وفي أوقات لاحقة ومتباعدة، سمحت الإدارة بقلامة أظافر في القسم. وكانت هذه القلامة تطوف على غرف القسم، المؤلف من قرابة 200 أسير، ولا تكاد تكمل يومًا واحدًا حتى يعتريها التلف بفعل الاستخدام. مما كان يضطرنا إلى إعادة تقليم الأظافر من خلال الجدار أو الأسنان، انتظارًا لقلامة الإدارة التي ستأتي بعد شهرين أو ثلاثة.
وقد أشرنا في حلقات سابقة إلى كيفية تداول الأخبار وتعميمها، وذلك من خلال بث الأخبار بصوت أحد الأسرى في ساعات محددة عبر النافذة، بعد أن يجري تجميع هذه الأخبار التي كانت تأتي من المحامين أو البوسطات. وكانت هذه النشرة اليومية ينتظرها الأسرى بشغف كبير.
وفي بعض الأحيان، كان الأسرى يغامرون بالمناداة على الأقسام الأخرى لجمع الأخبار وتعميمها.
أجل، كانت هذه الأحوال في سجون "واحهة الديمقراطية في الشرق الأوسط"، وكانت هذه الابتكارات التي ابتكرها الأسرى وسائل بسيطة للحفاظ على حياتهم، ومقاومة السياسات الإجرامية التي انتهجتها مصلحة السجون الصهيونية.

