كورونا وسياسة الرعب،"فرضية مستقبلية"، دراسة بقلم الأسير الصحفي الرفيق منذر مفلح - خاص مركز حنظلة للأسرى والمحررين
الكورونا، جائحة عالمية اهتزت لها دول العالم أجمع، باعتبار هذا الفيروس حرب شاملة من الطبيعة تجاه البشرية، وتجاه أنظمتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية...إلخ.
ولكن الكورونا هذه من حيث أرادت الطبيعة، جاء بمرحلة خلطت الأوراق، لتعيد بعثرة العالم، وإعادة ترتيبه من جديد.
فهذا الفيروس الخطير، جاء كتتويج لمرحلة طويلة من التطورات والتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية، ليعتبر مرحلة فاصلة ما بين تاريخ وتاريخ، ما بين مرحلة بذاتها وربنا مرحلة قادمة، قد وأقول قد تتوافق مع تنبؤات والدراسات المادية للتاريخ، بمعنى التحول لتشكيلة اقتصادية - اجتماعية جديدة، تؤسس لتحولات سياسية ودولية جديدة تقوم على معادلة نفترضها، وهي بجوهرها "الانسان - الهاتف", والدولة الشركة.
1- التشكل الاجتماعي والتموضع الاجتماعي الجديد:-
لقد تطورت عبر التاريخ الثورات والقفزات الكبرى التي أسست لتحولات بمناسبة عبر مجموعة من التطورات "الثورات الاجتماعية" التي أسست لتشكل سياسي مختلف عن سابقه، كانت في الغالب من فعل البشر، فمثلًا الثورة الصناعية أسست لمفهموم الحداثة والرأسمالية التي قامت على التشكل الاجتماعي "العائلة النووية"، متخلية عن قيم القبيلة والعشيرة ورابطة الدم لصالح روابط حداثية تقوم على المواطنة الحديثة وعلاقتها مع التشكل السياسي الحديث والدولة القومية وهو أمر لا ندخل فيه في هذا البحث السريع المتواضع، لأن وقته في دراسات المختصين والباحثين -ولكننا- نأمل أن نشير أو نسهم في إعادة القراءة السريعة للأطلال على الثورات العالمية بعد كورونا.
إن الضربة أو الثورة الطبيعية كورونا، أسهمت في انكشاف ظهر الرأسمالية، والدولة باعتبارها شكل سياسي ببعد اجتماعي يقوم على خدمة وحماية المجتمع والمواطنين وتقديم الخدمات لهم، وهو ما فشل في ظل كورونا من خلال عدم وجود أنظمة صحية لمواجهة فيروس "أقل من عادي"، لو كانت الدولة قائمة بدورها على أكمل وجه "مثلًا الصين"، باعتبار الفيروس نوع من الانفلونزا، ولكن الصين باعتبارها نظام مركزي شيوعي استطاعت عبر إرادة الدولة، السيطرة على مجتمعها، وتحولات الطبيعة، مما جعل الأثر الاقتصادي للفيروس أقل تأثيرًا، ولاحقًا ظهرت الدولة المنتصرة.
وهو ما عملت الرأسمالية العالمية عبر الحرب الباردة عقود من أجل إظهار هذا الشكل من التشكل السياسي الشيوعي باعتباره فاشلًا، وغير تاريخي، وهو ما تتوج بخطاب "فوكو ياما" بتأبين التاريخ البشري عبر التطور أو التشكل الرأسمالي، وهو أيضًا ما عاقبته عليه "الطبيعة" كورونا، لتثبت أن الرأسمالية نظامًا سياسيًا باهتًا على المستوى السياسي فقط، باعتبار أن التشكل السياسي هو التعبير الفوقي للتشكل الاجتماعي، الاقتصادي التحتي.
فقد أظهر أداء الدولة الرأسمالية "أمريكا، إيطاليا، إسبانيا، فرنسا، بريطانيا"، دول المركز الرأسمالي مكشوفة أمام شعوبها لعجزها عن إدارة الأزمة الصحية رغم انتشارها قبل أشهر سابقة في دول أخرى، بينما دول الهامش الرأسمالي الفاشلة أصلًا، قد تنهار إذا ما ضرب هذا الفيروس بقوة أكبر، وهو ما يؤسس لتشكل سياسي جديد قائم أساسًا على تطورات رأسمالية، اجتماعية، استهلاكية فردانية، فما هي؟.
إن طبيعة التطورات الاجتماعية التي أسست لها الرأسمالية الاجتماعية، من قيم فردانية، واستهلاكية، وتمحور، حول الذات، أسست لقيمة عليا "القوة الذاتية" والمنفعة الشخصية التي تراكمت اجتماعيًا مع التطور الرأسمالي، وهو ما أسس لتفسخ الأساس الاجتماعي "العائلة النووية"، للأساس الاقتصادي الرأسمالي، وثالثًا تطوراتها السياسية، ونشهد اليوم مع "كورونا"، مجموعة من السلوكيات التي تؤسس لقيم فردية انعزالية، إذا ما استمرت أشهرًا تحت الرعب ستؤسس لسلوكيات دائمة من الانعزال والفردانية، تهدد المسلكة العلمية - الاجتماعية لإنسان "حيوان اجتماعي"، بشكلها الطبيعي، طبعًا سيبقى الإنسان اجتماعيًا ولكن طبيعيًا بحيث سيتحول الهاتف، الوسيلة الاجتماعية للعلاقات والتنظيم والأنشطة الإنسانية، مما يؤسس لما أسميناه "الإنسان - الهاتف"، وهو ما نشهد إرهاصاته منذ بداية القرن الحادي والعشرين والألفية الثالثة، وتلاحقه التطورات التقنية والتكنولوجية، ومترافقة مع الحديث عن الثورة الرابعة "الذماء الصناعي"، ومفهوم الشريحة الذكية والجيل الخامس الذي سيسيطر ويستحوذ على جزء مهم من النشاط الإنساني، لصالح النشاط الصناعي.
إن الحالة الاجتماعية القادمة المفترضة تحت سيطرة الرعب والخوف، والسلوكيات الجديدة، والتي ستصبح جزءً مهمًا من العلاقات والأنشطة الاجتماعية، ستؤسس لأسس اجتماعية حديثة في تطور المجتمعات البشرية، وطبيعة تواصلها وعلاقاتها، وأسس لأنشطة الحيوية لهذه المجتمعات، مما يعيد تعريف المجتمع ذاته، وكافة القيم والمفاهيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السابقة على سلوكيات الرعب "كورونا" والتي ستؤسس لمرحلة جديدة أو لاحفة للمرحلة التي نعيشها.
لقد تحدث المفكر "كارل دوتيش" عن نظرية اجتماعية تقول "أنا أتصل إذًا أنا موجود"، وهي تؤسس للمرحلة القادمة التي نتوقع أن يكون شعارها "أنا on line، إذن أنا موجود".
طبعًا ما يعني ذلك من فقدان لقيم أساسية في المجتمع الحالي وتحديدًا قيمة العائلة في ظل حالة الرعب واستخدام تقنية الرعب في محاولة السيطرة على المجتمعات وإخضاعها لأوامر الدول التي ظهر فشلها وضعفها وإمكانية انهيارها، أمام هذه الجائحة التي هددت حاجة العائلة، التنظيم السياسي الحديث "الدولة".
2- التشكل السياسي، التموضع السياسي الجديد:-
لن يكون كورونا نهاية التاريخ البشري، كما أن الرأسمالية بشكلها السياسي الحالي لن تبقى بشكلها التاريخي المسيطر، بمعنى أن النيوايبرالية الرأسمالية والسياسية، أثبتت عقمها فشلها بشكل الدولة القديم، وهو ما حاول "ترامب" من خلال بعض سياساته أن يعيد الاعتبار لأمريكا، في عالم من الفوضى الرأسمالية النيوليبرالية المعولمة ولكن اقتصاديًافإن قيم الشركة قد أسست لها جيدًا، وهي ذاهبة باتجاه تعزيز قيمها من خلال تعزيز سيطرتها على الدولة، أو اقترانها بها، فيما أسميناه "الدولة - الشركة" كتعبير فوقي للقيم الاجتماعية المفترضة "الإنسان - الهاتف".
وصحيح أيضًا أن الصين نظام مركزي شيوعي، ولكن هذا النظام المركزي الشيوعي يقوم على أساس "سياسي - اقتصادي" أسس لقيم اجتماعية صينية، فالصين هي شركة العالم، بمعنى تحول الصين لشركة تحملها دولة مركزية، أسست لشراكة ما بين الشركات والدولة، وصحيح ان الدولة الصينية لا زالت تسيطر أو تفرض بعض هيبتها على الشركات العابرة للقارات ولاجئين الصين، لاحظ أن مؤشر الشركات العالمية "صيني" يؤكد ولوج شركات أكثر، أكثر صينية لما رأس الشركات العابرة للقارات وهي شركات متهمة بأنها حكومية.
إن نجاح النموذج الصيني في عالم كورونا وما بعده، سيجعل دول العالمةتحذو حذو الصين أكثر في محاكاة التجربة "الدولة - الشركة"، وهو ما لن ينجح بشكل كامل في العالم الرأسمالي النيوليبرالي صاحب القيم المعولمة، وهو ما يعني حتمًا تقاسم السلطة ما بين الدولة والشركة، باعتبار أن الشركة هي الأقدر على إنتاج ما يلزم لمواجهة الأزمات، والسلطة بقدرتها على السيطرة وإنتاج للخيرات المالية، بالشراكة ما بين المؤسستين "الدولة - الشركة"، وأيضًا لمحاكاة القيم الاجتماعية الجديدة الناشئة عن "الإنسان - الهاتف"، ومتابعة قيم المنفعة واللذة وتطوراتها في عالم "الإنسان - الهاتف".
لقد تنبأ الكثير من الاقتصاديين والمؤسسات والمفكرين بأزمة اقتصادية عالمية يكون مداها 2020 ولكن الكورونا طغى على هذه الأزمة أو ربما غطى عورة من عورات الرأسمالية والنيوليبرالية، وهو ما يدمج تحت ظل سياسات الدول الفاشلة وحالة الرعب المثبوتة والانبهار بالنموذج الصيني ما بين الدولة - والشركة، فالمؤسسة الوحيدة الناجحة من مؤسسات الدولة كما أثبتت الوقائع هي المؤسسة العسكرية "مؤسسة الجيش"، والذي سيطر على المجتمعات كافة، وهو ما ينظمها حاليًا، فيما أثبتت المؤسسات التشريعية والتنفيذية والرئاسية والبرلمانية والحكومية فشلها، وهو ما يجعلها حاليًا تتغطى تحت عورة هذه المؤسسة في كل العالم، بينما ينتظر العالم من الشركات أن تنتج لهم اللقاح، وتقدم لهم مصل النجاة، مما يوسع دور الشركات، ويجعلها شريكة في مستقبل البشرية، مع سقوط المؤسسات الحكومية أو ثبات فشلها، وقد نقترح أم تقوم هذه الأشكال الجديدة في دول لنا مستقبل مهم في مستقبلنا القادم، الصين، روسيا، إيران، والعديد من الدول التي سترتبط بهذا المفهوم الجديد.
استخدم ويستخدم وسيبقى لفترة طويلة يستخدم التشكل السياسي الحالي "الدولة"، والخوف والرعب كأساس وحيد للسيطرة على البشرية والمجتمعات مقترنة بنشر الجيوش في الشوارع، وتعميم أنظمة الطوارئ أمام حالة العجز والضعف والفشل لهذه الدولة أمام فيروس انفلونزا طبيعي كان يمكن أن يكون كغيره من الفايروسات لو أن الدولة قد جهزت ذاتها لخدمة الشعوب والمجتمعات وتعزيز أنظمتها الصحية، بدلًا من خصخصة أنظمة الصحة وتحويلها لسلطة رأسمالية مقابل المال، فيما تم اللجوء لتعزيز وستتعزز أكثر قيمة الانعزال الجسدي والنفسي والاجتماعي، مما يؤسس لمحورة الفرد حول ذاته، فيما تؤسس التطورات التقنية القادمة الجيل الخامس وما بعد، "عالم الشريحة الذكية" والاعتماد على إدارة الهاتف للسيطرة وتمرير المعلومات وممارسة الأنشطة والعلاقات الاجتماعية وثالثًا الاستنادية في التنظيمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للأفراد ولمجتمعات المستقبل.
3- مؤشرات التحولات الكورونية :-
ضعف وانهيار دور الأمم المتحدة في أزمة كورونا، هذه المؤسسة الدولية التي أريد بها القيام بدور أممي بمواجهة الأزمات والحروب، أثبتت الوقائع مرةً تلو الأخرى ضعفها وانهيارها على المستوى السياسي والاقتصادي وحتى الدور الإنساني، وهو ما جاء مترافقًا أساسًا مع محاصرة الولايات المتحدة لهذه المؤسسة، ومحاصرة دورها فيما يتعلق بالقرارات الدولية، وكذلك عدم وجودها كأساس في اتفاقيات دولية أو في غياب دورها الصراعات الدولية، وأيضًا هامشية دورها فيما يتعلق بكورونا، وضعف ميزانيتها، طبعًا مؤشرات هامشية الدور واضحة ويتحدث عنها الإعلام صباح مساء. وكذلك سياسة الانسحاب من اتفاقيات المناخ والبيئة والحروب والأسلحة وغيرها من الاتفاقيات الدولية الأخرى.
انهيار الأحلاف والاتحادات الدولية الراسخة، الناتو، والاتحاد الأوروبي الذي تخلت فيه الدول عن بعضها البعض، مما جعل كل دولة تتخبط أمام هذا الفيروس.
تجاهل الفيروس الذي انتشر في الصين، وعدم التمهيد له ودراستهؤ طبعًا استخفت فيه الدول الغربية في حين أنها تتهم الصين بعدم كشف معلومات الفيروس، وتجاهل تقديم المساعدات لدول منكوبة تحت طائلة العقوبات الأمريكية "إيران مثلًا"، بينما لم تستعد الدول والمؤسسات الدولية من التأثير بهذا الجانب، حالة الرعب اللاحقة، وتبيان مدى انتشار الفيروس دون محاولات معالجته أو اكتشافه.
ارتباط أزمة الكورونا مع أزمة اقتصادية عالمية، وانهيار في سوق لنفط والطاقة ما يؤسس لحالة من الركود الاقتصادية.
التأسيس لتجاهل قيمة الديموقراطية وإعلان حالة الطوارئ، بل تجاوز الديموقراطية في بعض الدول، كما في إسرائيل، واستخدام الكورونا كحالة من المزاودة الانتخابية في أمريكا حيث اضطر "ترامب" الأمريكي الرأسمالي إلى استخدام تكتيكات شيوعية في مواجهة الأزمة، كما فعل سابقه "أوباما" عام 2008م.
محاولة ترامب أمريكا، الصين، روسيا، أبمانيا الحثيثة على إنتاج اللقاح من خلال استقطاب الشركات أو التأثير على عملها، ونتائج اختباراتها سساسيًا.
كل ما تقدم يؤسس لمرحلة جديدة، نشهد ارهاصاتها مع حالة الرعب التي أثارها فيروس كورونا، تقوم ملامحها عالميًا على تحالفات جديدة تقوم على قواعد مختلفة ومؤسسات دولية مغايرة، تشكل أسس العلاقات الدولية الجديدة الناشئة بالتحالف بين الدولة والشركة، واتحاد شركات عالمي يقوم بدلًا من صندوق النقد الدولي... إلخ من تسميات ومصطلحات وقيم ومفاهيم جديدة، وهو ما سنشهده في السنوات والعقود القادمة.
بقلم الأسير الصحافي: منذر مفلح
سجن ريمون

