إلى التي فقدنا معها ما فقدت ولكن طعم الفراق الذي يحرق قلوبنا لا يغدو كونه شرارة من لهيب بركانٍ ليتفجر في رحم أمٍ فقدت ابنها ولكن عزاءنا وعزاءها أنه لم يتركنا كما تعودنا أن يتركنا الأعزاء فمكا لحياته كان لمماته طعمًا خاصًا لن ندركه أبدًا.
عندما يصبح الخلود هدفًا لكل من أضاعوا الخلود تصبح له طريقة واحدة هي الارتقاء عبر السقوط وما كل السقوط سقوطًا ففي سبيل الوطن يغدو سقوط أحدهم ليس إلا لبنة أخرى في بناء صرح الخلود الأعلى والأشم والأرقى والأبقى فخلودنا لا يكون نحن الأحياء الضعفاء إلا بموت قويٍ يدق وتدًا ثابتًا آخر في هذه الأرض الرحوم التي لا تلتئم حروقها إلا بفتح جروحنا نحن رجالها الذين لم نُخلق إلا لنكون مراهم تُشفي جروح الوطن الي يشكرنا بطريقته الخاصة لا نشعرها إنما تشعرنا.
فهو يحملنا نحو الخلود الذي من أهم شروطه أن الخالدين لا يشعرون خلودهم نحن نُخلد بالفناء مع أن الجميع إلى فناء إنما ليس الجميع إلى خلود فالخلود لا يكون إلا بفناء الشهداء فهنيئًا لكي خلوده وإن كان قد غاب اليوم فلا بأس فالطريق التي غاب فيها تعني بقاءه للأبد، كل الرجال يموتون لكن ليس جميعهم يحيى والشهداء اختاروا الموت ليشهد العالم أجمع أنهم من الأحياء الذين أدركوا أن الحياة الذليلة ليست إلا موتٍ ذليل وإن الموت المشرف ليس إلا حياةً كريمة حرة، فلتحفر أسماءهم بحروفٍ من دمٍ ونار ولتغيب كل الأسماء كما أتت دون أن ندري سببًا لوجودها أو لفنائها وتبقى أسماءهم خالدة مع كل الأسماء التي عرفت معنى الحياة ومن يعرف معنى الحياة يعرف كيف يعيشها ومن يعرف كيف يعيش سيعرف بكل تأكيد كيف يغادر هذه الحياة وهو في قمة عطائه وعنفوانه، الوصول إلى القمة قد يغدو سهلًا لكن الأصعب هو أن نتركها قبل أن تتركنا، والذين يتركون القمم وهم في أوج العطاء تحفظهم القمم لأنها تعلم أنهم هزموها فهنيئًا لهم قمتهم التي سكنوها إلى الأبد وليبقى لنا نحن عالمنا الذي سنتركه كما دخلناه من دون أن نعرف لذلك سببًا.
بقلم الأسير الرفيق: ثائر حنيني

