الأسير الصحفي الرفيق منذر خلف مفلح من قلب زنزانته يكتب

استراتيجية الغموض الإعلامي فيما يخص قضية الجنود الأسرى في غزة " نجاح وإخفاق"، بقلم الأسير منذر خلف

2de7d297b34d817cc288a9385ed6840b

استراتيجية الصمت أو الغموض الإعلامي فيما يخص قضية الجنود الأسرى في غزة، "النجاح والاخفاق" - خاص مرحز حنظلة

 

قدمت المقاومة الفلسطينية في غزة جهوداً جبارة ورائعة قل نظيره منذ عقود فيما يخص مسألة تحرير الأسرى وكذلك فيما يتعلق بتطوير القدرة التفاوضية للمقاومة وقدرتها اللوجستية والأمنية فيما يتعلق بهذا الجانب، إن مجال بحث هذا المقال هو الاستراتيجية الإعلامية للمقاومة فيما يخص إدارة ملف الأسرى الجنود وبنيان مستواها ونجاحاتها وإخفاقاتها.

 

بدايةً نود التأكيد على أن أية استراتيجية هي بالمفهوم العام الخطة الشاملة لتحقيق الهدف المنشود للجانب المعطى أو للمساهمة في إنجاز الأهداف المتوخاة وبهذا فإن أي خطة تشمل في جانب مهم منها على جدول أعمال أو جدول زمني للأعمال قابل للتطبيق في المدى الزمني المتوخاة بإنجاز الهدف وإلا أصبحت الاستراتيجية جامدة أو تنتقص من فاعلية الاستراتيجية العامة.

 

في المقابل إن كل الاستراتيجيات تحتوي وتتضمن عنصر الزمن وبهذا فإن من المفيد التركيز على الجدول الزمني خاصة فيما يتعلق بتعطيل عنصر مهم في استراتيجية الطرف المقابل لكن المحضار هنا هو أن يكون عنصر الزمن في استراتيجية إحدى الطرفين مفتوح ويخضع تماماً للطرف الآخر فهنا يفترض طرف ما جدولاً زمنياً على طرف آخر بما يحقق استراتيجيته أو جزءً منها على حساب الآخر، بهذا المعنى يتم اللجوء لاستراتيجية النفس الطويل أو فلسفة السطر.

 

إن أية استراتيجية تهدف بالمقام الأول لتعطيل استراتيجية الطرف المقابل وشلها وشل فاعليتها وتالياً تحقيق النصر أو الإنجاز وربما استخدام استراتيجية الطرف الضعيف متضمنة باستراتيجية القوة وباستراتيجية الكون وعلى ذلك تصبح قراءة العناصر أساسية أو الخطوط العامة في الاستراتيجية فيما يتعلق بالسياسة الإعلامية مهم جداً لتقديم ما في هذا الجانب.

 

 العناصر الأساسية في صفقات الأسرى: 

1. عنصر الزمن والوقت:

وهذا يشمل على تكتيكات من قبل فلسفة الصبر والنفس الطويل لإجبار الطرف المقابل على الانصياع لاستراتيجيته وفرض جدولك الزمني وبهذا يصبح سقف التفاوض مفتوح بالعام وبلا مدى زمني طالما الطرفين يلعبان على ذات العنصر وهو ما يدخل إلى اللعبة عناصر أخرى مؤثرة في تقصير عنصر الزمن الإعلام وإثارة الرأي العام وهما العنصران اللاحقان.

 

لابد من قراءة هذا العنصر في إطار قراءته الاستراتيجية في الغموض أو الصمت التي انتهجتها المقاومة منذ البداية فيما يتعلق بمصير الجنود الأسرى لدى المقاومة وهي استراتيجية تستخدم لأجل رفع الثمن وهي استراتيجية فاعلة في رفع الثمن وهو ما أثبتته وقائع صفقات سابقة أو مفاوضات سابقة، فقد استخدم العدو تكتيكاً مغايراً لتخفيض الثمن وهو الإعلان عن الأسرى الجنود كموتى وهو ما يعطي هامشاً زمنياً واسعاً لإنه لا يفاوض تحت الضغط باعتبار الحديث يدور عن جثث وكذلك تحييد إثارة الرأي العام والتلاعب بأعصابه وهو أمر قد سجل فيه العدو نقطة لصالحه بكشف عنصر الوقت وتحييد جهة الرأي العام وعكس ذلك استراتيجية المقاومة واستخدامها استراتيجية الصمت والغموض. 

 

في حين أن المقاومة لا تمتلك الهامش الزمني ذاته فأسراها أحياء والرأي العام لديها أصبح ضاغطاً تجاه هذه القضية لأن الأمر يتعلق بحرية الأسرى وكذلك الظروف الصعبة التي يعيشها قطاع غزة بالإضافة للكلفة البشرية والأمنية والمالية للاحتفاظ بالجنود وتقييمهم عن مصيرهم، قد يكون هنالك تفاهم رسمي أو اتفاق ضمني لعدم إثارة الرأي العام وهو ما يعني خسارة هذه المعركة والجانب النفسي فيما لو كشف مصير الجنود كأحياء من قبل المقاومة مقابلها خسارتها لعنصر رفع الثمن.

 

2. جبهة الرأي العام:

 لقد استفاد الطرف الإسرائيلي من سياسة الغموض مستخدماً استراتيجية المقاومة ضدها فيما يتعلق بأهم العناصر في أي عملية تفاوضية وهو تأثير الرأي العام الضاغط فعطله وأبقاه دون مستوى الحراك المطلوب من أجل تنفيذ عملية التفاوض أو الصفقة،  فالأسرى الجنود أموات ولا يضيرهم البقاء لسنوات أخرى لحين إنهاء أو إتمام صفقة تتناسب وحجم التوقعات والمعايير الإسرائيلية وعلى ذلك فهناك إجماع داخل المجتمع الإسرائيلي، الأهالي والرأي العام والإعلام والأحزاب والحكومة وعليه فإن إثارة الرأي العام يصبح عنصراً أساسياً في الوقت الراهن بعد تحييد عنصر الزمن في ظل سياسة غموض سلبي من قبل المقاومة يستفيد منها العدو في تطبيق جبهة الرأي العام.

 

3. السياسة الإعلامية:

 إن المطلوب الآن هو بحث أو إعادة بحث في الاستراتيجية الإعلامية للمقاومة بعد  مرور خمس سنوات على هذا الملف هل لا زالت هذه الاستراتيجية هي الأفضل؟ هل تضمن هذه الاستراتيجية الجدول الزمني الاستراتيجية المقاومة؟ هل نجحت في إدارة الملف بالشكل الأفضل؟ وأين أخفقت وأين نجحت؟

لاشك أن الحكومة الإسرائيلية والإعلام الإسرائيلي تبني سياسة مضادة لسياسة المقاومة وعكسها واستخدم الغموض الإعلامي مما يعني ما ذكرنا سابقاً التقدم بنقطة على المقاومة وهو ما أربك الرأي العام الفلسطيني وتحديداً الأسرى في هذا الجانب وجعلهم عنصراً ضاغطاً على المقاومة فهم ليسوا أقوياء كما في الجانب الإسرائيلي والحكومة الاسرائيلية تكسب الوقت ونفسها أطول خاصة عبر الضغط على قطاع غزة والمقاومة والسيطرة على الرأي العام الداخلي لمدة خمس سنوات وأكثر وتبنى سياسة الغموض البناء بما يعنيه ذلك رفع وتيرة الضغط على الرأي العام، صحيح أن المقاومة استخدمت تصريحاً للناطق الإعلامي للمقاومة الإسلامية أبو عبيدة يتحدث عن إصابة مباشرة تعرض لها الجنود وهذا يعني التخلي عن محاذر أنهم مجهولي المصير وأن مجهولية المصير عادت للتأكيد بعد هجمات العام الفائت على غزة وهذا التصريح في جزء منه أثار للرأي العام الإسرائيلي وتهدئة للرأي العام الداخلي.

 

فإذا ما يعني إصابة جنود تؤكد اسرائيل رسمياً أنهم أموات، على المقاومة رفع هذه الوتيرة باستخدام معطيات ملموسة ذلك أن اسرائيل في أكثر من مناسبة استطاعت امتصاص الإشارات التحريكية من ملف من قبل المقاومة.

 

أين يمكن إحداث نقلة استراتيجية؟

 لقد أعلنت اسرائيل أن جنودها أموات وأن الرأي العام صامت ونحن في خضم جلبة انتخابات وهنالك مستوى تنافس عالمي يمكن اثارة الرأي العام بتصريح كتصريح أبو عبيدة مصحوباً بصورة أو إشارة حياة من الجنود كانت في الإعلام الأولى لأسراهم عام 2014 إلى 2015 ثم نتحدث عن مصير مجهول بعد الاعتداءات الإسرائيلية على غزة، هذا ما يربك الحسابات ويثير الرأي العام الإسرائيلي وليضعه أمام اختيار لا يمكن احتماله هذه السياسة أكثر فعالية اللهم إذا ما كانت ستجلب عدواناً على غزة فلقد كانت هنالك مناسبات للتقدم خطوة بهذا الاتجاه وهو ما يعني تقدم المقاومة خطوتين على اسرائيل في الاستراتيجية الإعلامية، وهو ما يعني تحميل الحكومة في اسرائيل وفي خضم موسم انتخابي المسؤولية عن مصير الجنود أربع مرات.

 

الأولى لتركهم في الميدان والانسحاب والثانية الكذب بشأن مصيرهم والثالثة إيذاءهم بالعدوان والرابعة ضرورة تحميل المسؤولية العاجلة بشأن الكشف عن مصيرهم وهو ما يعيد رفع الثمن أضعاف مضاعفة ويخفض الهامش الزمني لمدة التفاوض.

 

لقد أخفقت المقاومة في استخدام سياسة الغموض والهامش الزمني ولكن يمكن تعديل ذلك، كما أخفقت في الإشارة للأسرى الذين تم إعادة اعتقالهم باعتبارهم أولوية واستخدامهم من أجل الترميم بوجود أسرى أحياء في غزة وهو ما جعلهم قضية رأي عام ورفع ثمن حريتهم وجعلهم ورقة تفاوضية بين اسرائيل "رهائن".

 

عناصر القوة والضعف في معركة التفاوض من أجل الصفقة.

عناصر القوة:

1. قوة المقاومة بالاحتفاظ بالجنود في إطار من السرية التامة، أكدت فشل أجهزة الأمن الاسرائيلية بالتأكد من مصيرهم.

2. إمكانية التأثير في الرأي العام للإسرائيلي في وقت حرج إذا ما تم رفع المواجهة من سياسة الغموض السلبي للغموض البناء.

3. عكس عنصر الزمن من الاحتلال في حال تحويل الاستراتيجية الإعلامية نحو الغموض البناء.

 

عناصر الضعف:

1. الحصار على غزة ونتائجه الأمنية والاقتصادية والإنسانية إلخ. 

2. العمليات العسكرية والأمنية ومحاولات كشف مصير الجنود بطرق أخرى.

3. الضغط السياسي والدولي.

4. الضغط للرأي العام الفلسطيني والأسرى تحديداً.

 

إن مقاومة عناصر القوة في الضعف يؤكد أن نافذة الفرص كتحقيق تغيير في الاستراتيجية تتعلق بالرأي العام الإسرائيلي وتغيير استراتيجية الغموض نحو الغموض البناء أو الإيجابي في المرحلة الزمنية الراهنة بمعنى فرض الأجندة الإعلامية على برنامج الانتخابي ومن بعد ذلك.

 

وأخيراً إن النجاحات والإخفاقات هي مسألة لا تخضع للتحليل وليست بناء على معطيات، فالاستراتيجيات تقاس بمدى تحقيقها لنجاحات، وفي النهاية تحليل نظري طالما لا يوجد تأكيد لصحة الادعاء بأن الجنود أحياء أو أموات، فإذا كانوا أموات فمن حق المقاومة أن تناور وتستخدم كافة الأوراق كي ترفع السقف بشأن الأوراق التي تمكنها بغض النظر عن تأثير الضغط للرأي العام الداخلي قد يشمل ذلك بعض خيبات الأمل ولكن وقائع الميدان هي من يفرض النتائج في النهاية.

 

الأسير الصحفي: منذر مفلح