"في السجن"، بقلم الأسير الصحفي الرفيق منذر خلف - خاص مركز حنظلة
في السِجنْ..
تختلفُ نكهة الأشياء ومعاني ومقاصد الشعراء
يختلفُ الرواةُ بتفسيرِ الوقت باستخدام لغةُ الأدباء..
في السِجنْ..
يفرُّ الألمُ من بين دفتيّ كتاباً عالجتهُ فوضى الحواس
وتقرأُ الوجوهَ من خلفِ قضبانٍ باردةً ورطوبة التفاصيل..
في السِجنْ..
يقسم الأسير وقته ما بين سجان شره باستخدام روايته
وما بين معنى ارتداد الفراشة في الضوء
ويحتسب الزمن بخطوتي أفقية
ويُسجّل في دفتر الدائن والمدين..
في السِجنْ..
شيخٌ هرمٌ وطفلٌ يتجاوز عمر الحنين
وتاجرٌ يبحثُ عن مقايضةِ الوقتِ والسنين
وحذرُ المشاعرُ في دقةِ استخدام الأنين..
في السِجنْ..
سجانٌ برمٌ يقارنُ وقتهُ ما بين حبيبته وكحلةُ الوجوه
وفرحة الاختلاف في صفرِ الخروج..
في السجن..
حريةٌ بنكهة الأشياء الصغيرة وقيدٌ منسوجٌ بخيطٍ وحكاية
وترتدي المرأةُ التباساتٌ واقتباساتٌ أقربُ إلى التحريم
وننظرُ باكراً للشمسِ نقايضها بدفءٍ على حساب البدر..
في السجن..
لا تمرُ الكلماتُ جُزافاً وتعود بين حنين
ونتمنى أن تلسعُنا برودةِ الطلِّ بظلِ وردةٍ..
وتحتمى الأيام خجلاً ما بين الشبحِ وظله
وتبدأُ البداياتُ مبكرةٌ وتُلقى كمهملاتٌ في سلة..
في السِجنْ..
هالاتٌ بيضاءَ فوقَ الرؤوس
ولا يُصلّي المؤمنينَ فوقَ الحقيقة..
في السِجنْ..
تفسيرٌ جمعيٌ لذُبالاتُ الشاي في الكؤوس
ويبتكرُ الملحدونَ ساعةُ الرملِ وصبرُ السلاحف
ويعجبُ القُرّاء برسمٍ كصلاةٍ خفيفة الإيمان..
في السِجنْ..
لكَ الحُريّة في كلِ شيء ولكن لا تملك الخيار
فأنتَ في السجنِ بلا مُواربة أو اعتذار
سهرُ الغيمِ وأرقُ المطرِ وانتظار..
في السِجنْ..
أنت أقربُ إلى الحقيقة
وكاذبٌ بتعريف المسميات..
في السِّجنْ..
لا يُغنّي السجناء فرحاً ويرقصونَ ألماً
والهمس يصدحُ غضباً..
في السِجنْ..
تعريفُ الاسمُ على المسمى
وأثرٌ لاحتكاك الأجساد على الجدار..
في السِجنْ..
نكتبُ قصيدةٌ لا يفهمها الغرباء
والله وإبليس يختلفونَ فوق جدار..
في السِجنْ..
حُلمكَ قلمٌ يكتبُ ذاكرتك
ويرتجفُ النهارُ كظلٌ على قمر..
في السِجنْ..
لغةُ الاختزالات وصمتُ الاحتمالات
ومتابعةٌ لسربِ حمام..
في السِجنْ..
ظلُّ الانعكاس يستفزُّ الحواس
فلا نضع فاصلةٌ بين فقرةٍ وأُخرى..
في السجن..
النساءُ عاريات
والرجال كلُّهم جيرٌ مكسورُ القعر
وزبدةُ الكلامِ في قاع النهر..
في السِجنْ..
حكمةٌ لا تنتظر الفجر
واللغة لكنةُ مجازٌ وإفصاح
والأسيرُ يُواري سوأتهُ..
في السِجنْ..
ينتهي النهار بإغلاقٍ مُحكم النبوءة
ويبني قرحُ الإعادة
ومُريدونَ بلا نهاية..
في السِجنْ..
تحصلُ على راتبك التقاعدي
وأنت موسومٌ كبقعةٍ داكنة
ومحكومٌ بخيطٍ تنشرُ عليه أحلامك..
في السِجنْ..
لا تَجفُّ الأمنيات
والله لا يخفي إليك مُسرعًا بإجابة
وتحتفلُ كما يحتفلُ الغياب..
في السِجنْ تُطوى الملاحم والملابس وتنثر بنفسك
ويُبعثَّرُ في الكلام حِسّك..
في السِجنْ..
توجُّسكَ أبداً لا ينام..
بقلم الأسير الصحفي: منذر خلف مفلح

