الأسير الرفيق أمجد عوّاد من قلب زنزانته يكتب

للروح ألفُ نافذة، بقلم الأسير الرفيق أمجد عوّاد

أمجد عواد

للروح ألف نافذة - بقلم الأسير الرفيق أمجد عوّاد - خاص مركز حنظلة
قي القلب بابٌ وفي الروح ألف نافذة تكاد تُغلق جميعًا حين تقرر إدارة السجن التنكيل بك ويقتادك سجانوك مكبلًا بألف سلسلةٍ وسلسلة، يزج بك في أعماق مكعب اسمنتي مغلق صدء خاوي إلا منك أنت، وروحك الملأة بالثبور الصغيرة ورقمًا يعلو باب زنزانتك فيغدو هويتك الجديدة عند بوابات العزل الضخمة الاسمنتية الصدئة المزعجة الأصوات تصبح خارج عن المألوف، عن المنطق، عن المعقول، لا تصبح أنت، تنسى كأنك لم تكن، فهناك تختلف الحكاية تمامًا، يمسي عالمك أحادي الجوانب، لا لن فيه سوى الأسود القاتم وكل الألوان تتشابه في الظلام، هناك يعم الصمت تكاد تسمع نبض قلبك وخفقات روحك، تصبح سيد المكان لكنك لا تصبح أنت، فجأة تتأهب بشكل تام بانتظار المفاجأة القادمة تثبت قدماك في أرض الصحراء إن كنت في إحدى سجون الجنوب الصحراوية أو تزرعها عميقًا في أحد السهول إن كنت عالقًا في سجون الوسط والشمال المحتل، تحدق في الفراغ تعلن التعبئة الإجبارية لكل حواسك وأعضاءك، تأخذ نفسًا عميقًا، تخرجه بهدوء، تبقى متيقظًا فقد تستباح في أي لحظة، وأنت معرض لعملية تفتيش دقيق في أية لحظة، تخرج من آدميتك سمعًا وشمسًا، يصبح نظرك أكثر حدة، لا صوت، صمتٌ دائريٍ يعمُّ المكان وفجأة تصطدم بوجهك نسمة هواءٍ رقيقة لعلها اختبأت في مكانٍ ما هاربة من عيونٍ ترقبها، تعد إليك آدميتك الأولى، ترتخي تفاصيلك، تُعيدك لافتراضاتك السابقة، ثم تهدأ قليلًا تجد في الهواء رائحةٌ تذبل عيناك تخونك قدماك، تستسلم لسكينك منتصف الليل وفي تلك اللحظة بالذات تجول أرواحٌ وأطيافٌ كثيرة في فضاءك المعتم، أمك، أبوك، شهيدٌ ما، أختاك الجميلتان، رسائلك القديمة وحبك القديم، أحلام الطفولة وتلك التي توصيها دائمًا بأن تنظف أسنانها قبيل النوم، تسند رأسك للحائط، تزعجك نتؤاته الصلبة الباردة قليلًا، لكنك سرعان ما تعتاد ثم تبتسم بدهاءٍ وخبثٍ مدركًا أنك انتصرت على سجانيك، وأنهم لم ينجحوا في تجريدك من عالمك القديم، تغمض عيناك فتسجل في ذرات تستحيل إلى ذرات جميلة تصبح الكل الكامن والمطلق الكامن في كل الأشياء وعلى كل الأشياء تعيد فتحاتها تتفحص ذاتك مرةً أخرى تلمس يداك، تتحسس وجهك ل تتأكد من ثبات كل شيء في مكانه الصحيح، تتأكد من وجودك، تتذكر كل شيء، وكأنك ابن اللحظة الأولى تضحك وتخجل، تنفعل، وتهدأ، تتفاجأ، تخاف، تلعن، تقضم أظافرك الصغيرة، تفرح، تقفز روحك من أحد نوافذها الألف لتعبر باب القلب وتختبأ خلفه معلنة فشل مقولات الغياب جميعًا وزيف قوانين المسافات، ومعلنة أن للذكريات وللأرواح قوانينها الخاصة فهي عصية على النسيان ولا تسقط بالتقادم، فليس صحيح أن من يحترف الغياب يتقن فن النسيان.

بقلم الأسير الرفيق: أمجد عواد