من يتذكر خارطة الطريق؟، بقلم الأسير كميل أبو حنيش - خاص مركز حنظلة
تنهمك الساحة الفلسطينية السياسية هذه الأيام بالخطة والمشروع التصفوي الأمريكي الصهيوني المعروف بصفقة القرن وهو جدال له ما يبرره في ظل ما يستشعره الفلسطينيون من مخاطر ليس على أحلامهم الوطنية وحسب بل وحتى على وجودهم على هذه الأرض ولا تكاد تخلو محطةٌ من محطات الصراع مع المشروع الاستعماري الصهيوني منذ ما يربو على مائة عام من مثل هكذا إجراءات بدءً من مشروع الدولة اليهودية الذي انطلق مع انطلاقة الصهيونية أواخر القرن التاسع عشر ومرورًا بوعد بلفور وما عاقبه من سلسلة من المشاريع السياسية التصفوية والأحداث الكارثية التي نسردها على عجالة وفقط من باب التذكير، صك الانتداب البريطاني على فلسطين، مشروع التقسيم الوارد في الكاتب الأبيض عام1937م، مشروع التقسيم عام 1947م وما نجم عنه من حرب أفضت إلى النكبة والإعلان عن قيام دولة الكيان الصهيوني، وما أعقب هذا الإعلان من حروب وأحداث وما تخللته هذه المرحلة من مشاريع سياسية وصولًا إلى محطة "كامب ديفيد" وما نجم عنها من شرخ عميق في الصف العربي وليس انتهاءً بمشروع التسوية بين الفلسطينيين وإسرائيل الذي بدأ من مدريد وأعقبه اتفاقيات "أوسلو" وما تمخّض عنها من اتفاقيات ومبادرات ومشاريع سياسية بلغت ذروتها في خطة خارطة الطريق قبل أكثر من 15 عامًا إلى أن أثمرت هذه العملية التاريخية الطويلة ما بات يعرف بخطة " صفقة القرن" التي هي في الواقع تتويجًا لنجاحات المشروع الصهيوني منذ انطلاقته وحتى اليوم وفي كل مرة تتجاوز فيها أي محطة ننسى أو نتناسى أخطاءنا الكارثية ولا نتعلم أي درس يسعفنا ولو قليلًا للاستعداد للمحطة القادمة وحتى لا نعود بعيدًا للوراء في تسليط الضوء على كل محطة أو مشروع سياسي تصفوي يكفينا العودة فقط 17 عامًا للوراء والتذكير بخطة "خارطة الطريق" التي هي بالواقع ذات الخطة الأمريكية المطروحة اليوم وتسمى صفقة القرن فما هي طبيعة أخطاءنا التي ربما ساهمت في ولادة هذه الخطة التي أجمعنا على أنها مشروعًا تصفويًا، في صيف العام 2002م أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق "جورج بوش الابن" عن رؤيته للدولة الفلسطينية التي ستقوم في حدود العام 1967م وأنه بصدد الإعلان عن خطة ستفتح الباب أمام الحل السياسي، تلك الخطة التي حملت اسم خارطة الطريق والتي انطلقت رسميًا بربيع العام 2003م تزامنت مع احتلال العراق وإحكام القبضة الأمريكية على المنطقة، تلخصت الخطة الأمريكية بمجموعة من الخطوات والجداول الزمنية التي ستفضي في نهاية المطاف على قيام الدولة الفلسطينية غضون عامين وبما لا يتجاوز العام 2005م.
أعلنت القيادة الفلسطينية في ذلك الحين عن موقفها عن خارطة الطريق بدون أي شروط أو تحفظات وحين قُدمت الخطة للحكومة الإسرائيلية التي كان يرأسها "أرائيل شارون" قدمت إسرائيل علة هذه الخطة 14 تحفظًا وردت في رسالة رسمية من شارون على بوش.
وقد قبلت الإدارة الأمريكية بكامل التحفظات الإسرائيلية على خارطة الطريق وإذا دققنا النظر في هذه التحفظات فإننا نلخصها بالنقاط الجوهرية التالية:
1- الرفض الإسرائيلي لعودة اللاجئين الفلسطينيين.
2- رفض إسرائيل العودة إلى الحدود الرابع من حزيران.
3- ضم المستوطنات في الضفة الى إسرائيل.
4- السيطرة على غور الأردن.
5- القدس ستبقى عاصمة لإسرائيل.
6- الدولة الفلسطينية يجب أن تكون منزوعة السلاح.
7- السيطرة الإسرائيلية على الحدود البرية والحرية والأجواء الفلسطينية.
فضلًا عن اشتراطات إسرائيل التي تتعلق بالأمن وظبط السلام الفلسطيني والاقتصاد والعلاقات الخارجية والمياه وغيرها ولقد كان التبني الأمريكي للتحفظات الصهيونية على خارطة الطريق هو فعليًا الخيوط التي نفذت من خلالها إدارة ترامب خطتها المعروف بصفقة القرن.
أما عن الموافقة الفلسطينية والغير مشروطة على خطة خارطة الطريق فقد كانت بمثابة الفخ الذي وقع فيه الطرف الفلسطيني لقد كانت خارطة الطريق بحق كمينًا سياسيًا ضاع الفلسطينيين وهم الدولة وأعطى لإسرائيل الضوء الأخضر كي تنفذ مشروعها الهادف إلى تطبيق خارطة الطريق بتحفظاتها عليها وتثبيت الوقائع على الأرض، فما الذي طبقته إسرائيل تماشيًا مع روح خارطة الطريق؟
أقدمت إسرائيل منذ العام 2002م على بناء الجدار الفاصل الذي ينسجم مع المشروع الإسرائيلي القاضي بالانفصال عن الفلسطينيين مع السيطرة على الأرض وانسحبت من غزة وأخرجت عشرات الآلاف من المقدسيين خارج الجدار وضم الكتل الاستيطانية وبنت عشرات الآلاف من الوحدات الاستيطانية وهدمت مئات البيت وصادرت آلاف الدونمات من أراضي الضفة وكرست هيمنتها على الغور تمهيدًا لضمها وفرقت الضفة بالشوارع الالتفافية والبؤر الاستيطانية واستمرت في ممارستها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني ومنعت أي إمكانية من شأنها تطوير الاقتصاد وحالت دون تطوير مؤسسات السلطة وكرست فصل الضفة عن غزة..إلخ، فهذه السياسات والإجراءات الممارسة والممنهجة قتلت أي إمكانية لقيام الدولة الفلسطينية.
لقد جاء الإعلان عن صفقة القرن تتويجًا لما ثبتته إسرائيل من وقائع على الأرض وكانت هذه الخطة بمثابة رسم لهذه الوقائع لعبارة أخرى خطة صفقة القرن قائمة بالفعل وإذا شئنا الدقة فإن هي تطبيق كامل لخطة خارطة الطريق وتحفظات إسرائيل عليها أو بالأحرى مساهمة إسرائيل في تعبئة الفراغات في هذه الخطة وفي المحصلة وبصرف النظر عن الخطط والمسميات يتعين علينا التعامل مع حقيقة أن بلادنا محتلة من بحرها إلى نهرها وينبغي السعي لتحرير بلادنا من الاستعمار الصهيوني وعدم التعاطي مع شرعية وجوده من أول مسمار استيطاني دُق في بلادنا وحتى آخر مسمار إلى أن يكون بمقدورنا إلى أن يكون بمقدورنا دق المسامير الأخيرة في نعش المشروع الصهيوني.
الأسير كميل أبو حنيش

