سرقوا حلم أطفالنا- بقبم الأسير محمد إدريس عسكر - مركز حنظلة
أيها العالم إليكم نبذة عن ثقافة تزرع فطرياً في أطفال وبراعم وزهور وأشبال فلسطين بحيث تكون بذورها مزروعة من الولادة لتخرج جذورها بداخل شريان كل طفلٍ فلسطيني، وسيقانها تمتد حتى قلب وعقل هذا الطفل أو تلك الطفلة، وتنضج تلقائياً دون وجود بما يعرف فترة المراهقة بل ما يعرف بديلاً عنها بفترة المثابرة والإقدام والتضحية، ليصبح الطفل في نهاية المطاف ثمرة ناضجة تشعل ثورة باكتمال عملية البناء الثوري لكل طفلٍ فلسطيني يحلم بالحرية.
إن أطفال فلسطين تختلف عن باقي أطفال العالم فقد يكون الطفل العادي في المدرسة يرسم كوخ وبضعة أزهار وقارب أو جدول ماء وبعض الغيوم أو الطيور التي ترفرف في السماء وشمس تزين لوحته الفنية، أما بالحديث عن الطفل الفلسطيني فعندما يرسم وأول ما يتعلم رسمه هو علم فلسطين المجبول بلون الدم الأحمر والظلام الأسود وبياض السلام وربيع الحرية الأخضر، وفي مراحل حياته الابتدائية يتطور هذا الرسم ليصبح فيما بعد الشارع وبعض الحجارة وجيباً عسكرياٌ رُسم بشعار نجمة داوود وإطار مشتعل ويكتب مراراً وتكراراً تعلم رسم أنواع البنادق كما يرى في حياته الملثمون بالكوفية الفلسطينية وهم يرسمون البنادق ويخطون الشعارات على جدران البلد، وعلى صعيد ذكر الشعارات فقد استذكرني موقف حصل لي مع أحد الأطفال لا يبلغ الثامنة من عمره عندما سألني: ما معنى هذا الذى كُتب على الجدار؟ وقد كان "الثورة لا تطعم خبزاً لكنها تُشبع كرامة" عندها وقفت حائراً لبحثي عن إجابة تناسب عمره ولم أجد إجابة أفضل من تذكيره بموقف المواجهات الذي حصل مع أحد أصدقاءه ورفيقه في تلك المواجهات عندما سلب الاحتلال عينه اليسرى وفي أثناء اقتلاع ما تبقى من عينه وقبل وضع إبرة البنج لصديقه قد سأله الدكتور بماذا تشعر؟ فأجابه وقال: أشعر أن عيني سبقتني إلى جنان الرحمن وأتمنى أن أشعر بشعور عيني عما قريب وبعدها نام وهو قرير العين مرتاح القلب، والحدث كان مسجل على شريط فيديو كنت محتفظ به وأريته إلى الطفل الذى سأل عن معنى المكتوب على الجدار، وكان رد الطفل هكذا: بدي أشبع كرامة إحنا مش جوعانين خبز جوعانين حرية، وتنصل يومها وذهب إلى مواجهات يوم الجمعة الأسبوعية التي تحصد مالا يحصى من إصابات خطيرة موجهة من بندقية حاملها يرتجف خوفاً من آلام هذه الأطفال، وهكذا يلعب أطفالنا وهم نادراً ما يعرفون لعبة الغميضة فلعبتهم المفضلة هي "عرب وجيش" أو "عرب ويهود" فتتمثل هذه اللعبة بفريقين يحملون بنادق خشبية تعني بنادق الثورة والتي تحمل طراز كلاشنكوف من فريق العرب، وبنادق تحمل طراز ام16 من فريق الجيش، إلى أن يكبر هذا الطفل وتقطف الثورة ثمارها التي نضجت وآن الأوان لتلبية نداء هذا الوطن ليتذوق ويرتوي بدماء الثائرين من الأطفال وكافة فئات هذا الشعب الذي يولد وهو يحلم بالحرية والاستقلال والعودة، فها هم أطفالنا أيها العالم آباؤهم يموتون وأطفالهم يجددون ذاكرتهم برسم حدود الوطن وتذكر الشهداء والأسرى بل الندوب والجروح التي يسببها الاحتلال في أجساد أطفال فلسطين كفيلة بأن تُوسم ذاكرتهم وتطبع هذه الذاكرة في أبناءهم وأحفادهم، ومازلنا نذكر حتى اليوم من الانتفاضة التي لم نشهدها مشاهد الطفل محمد الدرة والصغيرة إيمان حجو ولينا وفارس عودة وأطفال المخيم، وعادوا وذكرونا ورسخوا هذه الذكريات الجديدة بالطفل أبو خضير والدوابشة ومناصرة وأطفال الشاطئ وهديل عواد، والقائمة تطول ولا تنتهي فجمر ذاكرتنا وذاكرة أطفالنا يحرقنا، فنحن ولدنا من الموت لنعيش بالنار ونموت لنعود للموت، وهذا لا يعني أننا لا نحب الحياة فالشعب الفلسطيني هو الشعب الأكثر حباً للحياة وهو الشعب الذي لا يخشى الموت، فأنظروا أطفالنا وترقبوا، أطفالنا هم الذين سيرجعون اللاجئين ويقررون مصير شعبهم ويختاروا العاصمة التي يريدون ويبعثون برسائل تعزية مجبولة بالأسف والحرقة لكل الشعوب والحكام التي ماتت قلوبهم وضمائرهم إلا من رحم ربي مستقبلاً وفي القريب العاجل.
أطفالك فلسطين طيور الحرية وعشق الثورة، عنان الموت، ووعد الأحرار وعدهم بالاستقلال فهم الأطفال الوحيدين في هذا العالم الذي يجلس القرفصاء ويتأملهم، وهم يشكلون أسطورة في صمودهم وتضحياتهم وفناءهم من أجل كرامة وحرية شعبنا من أيادي تلطخت بالدماء والإرهاب والفساد، ولا تحلم أطفالنا إلا بالحرية فقط وهذا الاحتلال يحاول سرقة أحلامهم يا عالم.
بقلم الأسير: محمد إدريس عسكر

