صفقة القرن ذروة عقود من خطط التصفية للقضية الفلسطينية _ خاص مركز حنظلة
إن إعلان الانتصار من قبل الطرف المنتصر أو إعلان الهزيمة من قبل المهزوم يتطلب التوقيع على وثيقة استسلام بحسب المفاهيم الحربية وهو ما لم يحصل خلال مراحل الصراع العربي الإسرائيلي باستثناء اتفاقية الهدنة عام 1949م وهو ما أكد على الحدود العسكرية ضمن حدود مركز القوى وكذلك اتفاقية فرض القوات في السبعينات 1973م وهو أيضًا في الإطار العسكري.
وقّعت مصر في عام 1979م اتفاقية "كامب دايفيد" كاتفاقية سياسية لكها جاءت بعد انتصار 1973م وفي إطار اتفاق دولي وكذلك اتفاق "أوسلو" عام 1993م بعد استراتيجية الانتفاضة الشعبية الكبرى ومعنى عدم توقيع اتفاقية استسلام.
في المقابل حاولت إسرائيل بعد كل انتصار عسكري تقديم مشروع سياسي كي يؤكد هزيمة العرب وهو ما تم رفضه مرارًا وتكرارًا، ويتوج ذلك برفض صفقة القرن، التي تعتبر وثيقة استسلام لأنها تؤسس لمرحلة استسلام مرتبطة بمشروع "أجال ألون" الذي قُدّم بعد هزيمة 1967م وبهذا المعنى أيضًا تأتي صفقة القرن تتويجا لذروة عقود من الخطط التصفوية.
فقط ابتدأت مشاريع ومؤامرات تصفية القضية الفلسطينية قبل عقود من بداية الاحتلال الصهيوني لفلسطين عام 1948م وهو أمر مرتبط بمرحلة المشروع الصهيوني فقط حتى نتجاوز التآمر التاريخي على فلسطيني كموقع ديني وجغرافي واقتصادي ممتد منذ بداية العصور، وفي العام 1917م وفي ذروة الاستعمار الإمبريالي الأوروبي أصدر "بلفور" وعده ووجّه للورد "رويتشرلد" أكد فيه على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين حيث يعتبر هذا الوعد الحلقة الأولى في مسلسل المؤامرات على فلسطين في العصر الحديث.
لقد قام شعب فلسطين بعدد من الانتفاضات والهبات والثورات لمواجهة كل تطور من حلقات المؤامرة التي لم تبدأ مع بلفور ومحادثات وايدمن وفيصل وحسين مكماهون وصيغت عدد من الوثائق للتآمر على فلسطين رفضها العرب، تتتوج بمقررات "لجنة بيل" و"الكتاب الأبيض" عام 1936م و1939 في خضام الثورة الكبرى ثم مشروع "موريسون" عام 1946م ومنها يبدأ الدور الأمريكي إلى جانب الدور البريطاني الاستعماري أثناء الانتداب وصولًا لقرار التقسيم ثم احتلال فلسطين بالتواطؤ مع بريطانيا.
صحيح أن مجرد وجود الحركة الصهيونية هو مؤامرة على فلسطين وهو ما أثبتته كل حالات التوسع والضم والحروب والاعتداءات التي قامت بها إسرائيل بعيدًا عن مناقشتها، وإذا ما اعتبرنا السياق السابق هو في إطار إيجاد حيّز دولاني لليهود الهاربين من أوروبا على أثر الهولوكوست، لكن بعد العام 1967م واحتلال ما تبقى من فلسطين وسيناء والجولان بدأت محاولات إسرائيل لتكريس انتصارها عبر إجبار الفلسطينيين التوقيع على اتفاقية استسلام في إطار اتفاقية سياسية ما، وحيث ابتدأت مشاريع التصفية والمؤامرات وصولًا لصفقة العصر الأمريكية حيث جاءت كل هذه المشاريع متشابهة وتحت ذات البنود ولربما تأتي جميعها مقترنة بمشروع "أجال ألون" الذي جاء أثر الاحتلال عام 1967م وهي كالآتي :
- اشادة في الأراضي المحتلة عام 1967م – 1969م.
- إقامة 79 مستوطنة في الضفة الغربية وغزة ثم ارتفعت وتيرة الاستيطان تزامنًا مع كل مشروع حيث ساهم هذا المشروع الاستيطاني بالاستيلاء على الأرض واعتبر بالأساس لقوة المشروع الصهيوني في المساومة.
أولًا:
فقد ابتدأ مشاريع التصفية بعد العام 1967م بمشروع "أيجال ألون" هو مشروع يفرض تسوية سياسية وتم طرحه مباشرة بعد الحرب وكان هدف المشروع هو وفحواه:
- إقامة حدود لإسرائيل بينها وبين الأردن وهو ما أشارت إليه صفقة العصر من خلال ضم الأغوار وعدم المساومة على أن إسرائيل وبقاءها آمنة.
- وقف سيطرة إسرائيل على شريحة السكان العرب وذلك للحفاظ على صبغة يهودية وديمقراطية للدولة وهو ما أشارت إليه صفقة القرن وظهرت من خلال الخارطة المعدل للدولة الفلسطينية في الضفة وإقامة دولة فلسطينية "بانتو تونات" تجمع الشريحة السكانية العربية تضم المثلث ووادي عرن والأراضي المحتلة عام 1948م.
- تحقق الحق التاريخي للشعب الإسرائيلي في أرض إسرائيل وهو ما أكد عليه ترامب من خلال خطاب اعتبار القدس عاصمة إسرائيل ونقل السفارة وخطابه بإعلان الصفقة.
يعتبر مشروع ألون أحد المشاريع المؤسسة لمفهوم الاستسلام في إسرائيل حيث دأب حزب العمل على إدراج المشروع كجزء من رؤيته السياسية لحل الصراع وهو ما طبع كافة الاتفاقيات بذات الطابع.
ثانيًا: مشروع الجادة المزدوجة:
مشروع سياسي ديمغرافي وضعه الباحث "إبراهام فادمان" من معهد "آتاخ نيون" العامة عام 1967م يتعلق في التسوية الدائمة والنهائية في فلسطين، ومجمل هذا المشروع نشر مجموعة كبيرة من اليهود في جادتين "قطاعين" طويلين يكونان تحت السيادة الإسرائيلية المباشرة والكاملة، الجادة الأولى هي "الغربية" الممتدة على طول قطاع الساحل أم الجادة الثانية "الشرقية" وممتدة من هضبة الجولان وغور الأردن حتى شرم الشيخ في سيناء حيث أُقيمت مستوطنات هناك وتم إخلاءها في إطار اتفاقية كامب ديفيد.
المناطق الواقعة بين هاتين الجادتين توزع ما بين إسرائيل وما بين السلطة الفلسطينية المستقلة يتم تجميعها في الضفة الغربية وأشار إلى إمكانية ضم هذه السلطة مع الأردن ككونفدرالية.
ثالثًا: مشروع الجادة المزدوجة المعدل:
وتم اقتراحه مع تعديلات تتعلق بسيناء في نهاية الثمانينيات عام 1989م وقد أسس صاحب المشروع جمعية داعمة وقد تمت الموافقة عليه من حكومة العمل "تمامًا" كمشروع أبالون ولكن نتائج الانتخابات في ذلك الوقت جمدته وسقط المشروع نتيجة مشروع أوسلو.
يُعتبر مشروع الجادة المزدوجة الأولى والمعدل نسخة طبق الأصل لصفقة القرن وشبيه بمشروع ألون رغم أنه تم تقديمه من قبل وجود الاستيطان فقد قُسّمت الأراضي ما بين كيانين تمامًا كما قدمت صفقة القرن المستوطنات ومناطق " "Cتحت السيطرة الإسرائيلية بالإضافة لشبه الجادة الشرقية مع مشروع ضم غور الأردن الواردة بصفقة القرن.
قدمت مشاريع كمشاريع التوطين في سيناء "مشروع روجيرز" عام 1970 ومشروع شامير في الثمانينات واستمدت ذات روحية المشاريع السابقة في القضاء وتصفية القضية الفلسطينية.
رابعًا: وثيقة بليين-رايتان:
وقد جاء في هذه الوثيقة ما يلي:
- معظم المستوطنات تحت السيادة الإسرائيلية مع الحفاظ على التواصل الجغرافي للمستوطنات.
- دخول لاجئين محددين لمناطق السلطة الفلسطينية أو الخاضعة للفلسطينيين.
- دولة مجردة السلاح فيما تبقى من الأراضي عام 1967م.
- نهر الأردن الحدود الآمنة لإسرائيل.
- القدس موحدة تحت سلطة إسرائيل.
يعتبر هذا المشروع تطويرًا للمشاريع السابقة وأيضًا يحمل ذات بنود صفقة القرن خاصة فيما يتعلق: بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل واردة في المشروعين وصفقة القرن، نهر الأردن وضم غور الأردن واعتباره الحدود الآمنة لإسرائيل في المشروعين، دولة مجردة السلاح في المشروعين، إدخال عدد محدد من اللاجئين إلى الأراضي الفلسطينية عام 1967م في المشروعين، معظم أن المستوطنات وتواصل جغرافي تحت السيادة الإسرائيلية.
نلاحظ فيما تقدم كل مشروع واستناده إلى المشروع السابق وتطور الاستيطان على الأراضي والتطورات السياسية والعسكرية.
خامسًا: مشروع الشرق الأوسط الجديد:
يقوم هذا المشروع على أساس اقتصادي تعتبر إسرائيل عموده الفقري ويقوم على التطبيع مقابل الاقتصاد ولقد جاء على أثر اتفاقية كامب دايفيد وتطوير لحالة التواجد الإسرائيلي مما سُمي التعاون الإقليمي، ولقد جاءت أيضًا صفقة القرن على أساس اقتصادي فقد سبق الإعلان عن صفقة القرن الإعلان عن الشكل الاقتصادي لها في مؤتمر "البحرين والمنامة" والإعلان عن مبلغ 50 مليار دولار للتعويض والتوطين ورفع المستوى الاقتصادي ودمجه في الاقتصاد الشرق أوسطي والدولي.
سادسًا: كامب ديفيد:
مشروع حكم ذاتي للفلسطينيين وتعاون إقليمي واقتصادي مشترك بين إسرائيل والدول العربية مقابل إعطاء حكم ذاتي للفلسطينيين وتطبيع العلاقات وتقاسم في إدارة المناطق ما بين إسرائيل والدولة العربية وقد اعتمدت إسرائيل مصطلح الأراضي المُدارة بدلًا من المحتلة بعد هذا المشروع وقد أسس هذين المشروعين الأوسطين وكامب ديفيد لمشروع أوسلو الذي جاءت وثيقة الدعوة إليه تحمل ذات المضمون الاقتصادي لدمج اقتصاديات المنطقة.
سابعًا: التقاسم الوظيفي:
إدارة الأراضي عام 1967م بالتقاسم ما بين إسرائيل الأمن، قيادات محلية الحكم الذاتي والإدارة السياسية الأردن وقد قام على بقاء الوضع كما هو، فلم يطلب أحد من إسرائيل التخلي عن مشروع الاحتلال الاستيطاني.
جاءت هذه المشاريع في أحلك الظروف وأصعبها بالنسبة للقضية الفلسطينية وتوقيع مصر على مشروع كامب دايفيد وتركيز الحل بالحكم النهائي المحلي، خروج مصر من الصراع، الأزمة العربية، خروج، م. ت. ف. من لبنان بعد الحرب 1982م، وارتفاع منسوب الخيار الأردني الذي طالما نادي به القوة اليمينة الصهيونية في إسرائيل.
ثامنًا: مشروع أوسلو:
تم التوقيع على هذه الاتفاقية والتي جاء في بنودها حكم ذاتي لمدة 5 سنوات بعدها يتم دراسة التطور نحو دولة، لم تركز على إنهاء وتفكيك الاستيطان المطلب الأساسي بل وقف الاستيطان وإبطاء وتيرته وقد بدأت إسرائيل بناء شبكة طرق استيطانية متزامنة مع المشروع بالرفض الاستيطاني جغرافيًا بمعنى ترسيخ نقاط المشاريع السابقة.
وتقترب بنود اتفاق مشروع أوسلو باستعادة انتشار القوات بدلًا من الانسحاب في ذات إطار صفقة القرن، وكذلك التعاون الإقليمي والتواجد في غور الأردن والتعاون الاقتصادي.
تاسعًا: مفاوضات كامب ديفيد2:
والتي طرح فيها بقاء السيطرة الإسرائيلية على القدس العاصمة الفلسطينية في القدس وليس القدس، بقاء المستوطنات، السيطرة على مناطق سي وغور الأردن، دولة منزوعة السلاح، إلخ...، وهي ذات تفاصيل صفقة القرن التي فشلت وأدى فشلها إلى الانتفاضة الثانية.
عاشرًا: مشروع وثيقة جنيف – عبد ربه – بليين:
لم تحمل جديد فقد جاءت لإعادة صياغة المشاريع السابقة التي فشلت فشل اليسار ونجاح اليمين.
الحادي عشر: الانسحاب أحادي الجانب – شارون:
الانسحاب من عدد من المستوطنات وإعادة انتشار وتوزيع القوات وإبقاء غور الأردن والمناطق الحيوية ونقل السيطرة للسلطة على بعض المواقع ذات التفاصيل بالمشاريع السابقة، ومقدمة لبناء واقع لصفقة العصر.
اثنا عشر: خطة خارطة الطريق-أنابوليس:
اعتماد التفاوض كمرجعية وفيها تم إنهاء القرارات الدولية كمرجعية، والاستناد لأمريكا كمرجع مع اعتماد صيغة الرباعية ولم نقدم في هذه المشاريع سوى مشروع الدولة ذات الحدود المؤقتة بما يعني بقاء غور الأردن تحت السيطرة والمستوطنات تحت السيادة، دولة بلا حدود منزوعة السلاح، القدس "الاحياء الشرقية وتأجيل اللاجئين"
ثالث عشر:
قدم الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته كيري صيغة تفاوضية لم تتجاوز حدود المشاريع السابقة لإعادة إحياء المسار التفاوضي والحل السلمي ولكن التعنت الإسرائيلي حال دون ذلك.
رابع عشر:
ذروة الصفقات "صفقة القرن" والتي جاءت تتويجًا لعقود من الصفقات ومشاريع التسوية والمفاوضات وقد جاء في جزء مهم من هذه الصفقات التعرف على العقلية العربية والفلسطينية المتعلقة بالقضية الفلسطينية ومركزيتها وحدود الكبرى ورغبتهم في توقيع اتفاقية سلام فيما أعطى العنجهية الصهيوينة والأمريكية وخاصة بعد ظروف المنطقة العربية والانقسام الفلسطيني ومحاولة تثبيت مفهوم الاستسلام مستندًا إلى مشروع أبالون.
لماذا مشروع أبالون؟ لأن مشروع أبالون هو وثيقة استسلام عدها الجنرالات الصهاينة على أثر انتصارهم العسكري وهو ما عاد اليمين الأمريكي والصهيوني يؤسس عليه كما يؤسس على الانتصارات الصهيونية والهزائم العربية ليست العسكرية فقط بل النفسية وهو ما يعني انتصار العقدة العسكرية الأمنية الصهيونية.
الأسير الصحفي : منذر خلف

