الانتخابات الإسرائيلية الثالثة وربما الرابعة والصوت العربي - بقلم الأسير الرفيق منذر خلف مفلح - خاص مركز حنظلة
في البداية أود التأكيد أنني لست مع المشاركة الفلسطينية عام 1948 في انتخابات الكنيست الإسرائيلي لأن وجودهم في كل الأحوال هو تجميل لمفهوم الديمقراطية اليهودية التي لا زالت "إسرائيل" ذاتها متعثرة في تعريفه وتقديمه للعالم بعد في إطار الإسمية المهيمنة في مجتمع المستوطنين والمهاجرين والسكان الأصليين والحضور الفلسطيني معدل استهلاك الخارجي، وهو ما تؤكده اتجاهات وقوانين ابتداءً من قانون "الجنسية" بل من الوثيقة الدستورية تثبت بحق العودة لليهود فقط ومفهوم المواطنة الذي يقتصر على الانتماء العضوي للجماعة اليهودية تحديدًا قانون القومية والدولة اليهودية الذي أزاح العرب على اختلاف مشاربهم وتلاوينهم واتجاهاتهم السياسية والطائفية كتلة واحدة خارج المجتمع والمؤسسة والقائم على الهوامش الاستخداماتية.
هذه الهوامش الاستخداماتية تتمثل في استخدامهم كأصوات انتخابية في الإطار الصهيوني أو التجميل الديمقراطي أو التعاطي معه كأمر واقع مفروض في انتظار إزاحته وهو ما عبّر عنه قانون القومية دون الأخذ بعين الاعتبار موقف هؤلاء العرب واختلافاتهم التي تتراوح ما بين التأكيد على الهوية القومية العربية الفلسطينية وتحاول تقديم نفسها وتمثيلها على هذا الأساس في دولة احتلال وما بين المندمجين في الهوية الصهيونية للأحزاب وهو ما لم يشفع لهم، وهو ما يذكرنا بحالة اليهود الشرقيين ما قبل عام 1977 في ظل حكم حزب الممباي – العمل وسياسته تجاههم.
إن المشاركة في الانتخابات هو تعبير عن قبول وامثال ومطاوعة للقوانين التي تحكم هذا المجتمع "القوانين العنصرية" وهو ما يعني تأكيد شرعية دولة الاحتلال وسلوكياتهم ضدهم وهيبته حتى ولو اعتبروا أنفسهم كما لو أنهم يطيعون دون اقتناع، ففي النهاية هذا يعني المطاوعة والتوافق ويكشف السلوك الرافض ويخرجه عن القانون أو باعتباره موقف متطرف.
فالأجدر الموقف الفلسطيني أن يعبر عن الرفض وليس على المُستعمَر أن يشارك أو أن يأخذ دور وهو ما ذهب إليه "كانون" على المُستعمَر ألا يشارك بأي شكل في نشاط مع المُستعمِر وربما الأفضل استخدام استراتيجيات وتكتيكات المقاومة المدنية السلمية والشعبية للتعبير عن الهوية الفلسطينية الأقلية الأصلانية من السكان تحت الاحتلال، إن ما تقدم قد يكون في إطار التطورات الحاصلة "صفقة القرن" إمكانية الضم للضفة الغربية لتصبح هذه المقاومة الشكل الأساسي مع إمكانية سقوط حل الدولتين في ظل الإصرار الأمريكي على تجاوز الشرعيات وتعنت اليمين الصهيوني.
أما الواقع يتحدث عن مشاركة واسعة للفلسطينيين في الانتخابات الإسرائيلية فإن على الصوت الفلسطيني الانتخابي أن يتكتل على اختلاف مشاربهم وفوائدهم واتجاهاتهم ليشكلوا الصوت الاحتجاجي الرافض والممانع للتعبير عن الهوية الأخرى في ثنائية الأنا – الآخر في المقابل تكتّل الهوية اليهودية في إطار قانون القومية، باللغة اليهودية يصبح العرب جميعًا من أيوب قرا حتى هبة يلبد مواطنين فئة S أو كتلة هلامية بغض النظر عن اختلافاتهم مقابل مواطنين فئة A من الإشكناز والشرقيين فئة C *والإثيوبيين B، والعرب على تنوع مواقفهم من المؤيد للصهيونية للرافض لها فئة S فإسرائيل دولة تعشق التصنيف النمطي خاصة فيما يتعلق بالفلسطينيين والعرب.
إن حالة اللا استقرار السياسي أو بالتعريف السياسي العنف السياسي في إسرائيل تجاه الكتل البرلمانية والشخصيات البرلمانية العربية وغيرها وعدم القدرة على تشكيل حكومة للمرة الثالثة وربما الرابعة الصراع الحاقد بالأورقة السياسية والمعبّر عنه في المجتمع ليؤكد على ضرورة لجوء العرب لترسيخ أنفسهم كقوة انتخابية، باعتبارهم كتلة ضخمة وهذا سهل الحصول إذا ما تكتل العرب وصوتوا بشكل احتجاجي كما فعل الشرقيون عام 1977م بانقلابهم على الماباي والتصويت لحيروت وهو ما أسس لانقلاب في السياسة الإسرائيلية ولا زالت إسرائيل تعيش على وقعه وعلى الآثار المهيمنة لذلك الانقلاب هو رفع مستوى الشرقيين في السياسة الإسرائيلية باعتبارهم قوة سياسية انتخابية مؤثرة ثم توجهت كل جماعة منهم نحو ما ترغب فالتصويت المكثّف من كافة التلاوين الفلسطينية العربية بالداخل ال48 يجعل من القوائم العربية تحوز على 20 مقعد فأكثر مما يعني كتلة مانعة داخل الكنيست تخلق هزة في المجتمع والدولة، وبعد ذلك فليذهب كل عربي إلى ما يريد ويرغب.
المهم أن نحول أنفسنا قوة مؤثرة داخل المجتمع والنظام مما يحقق لهم القوة ويرفع مستواهم كقوة سياسية مؤثرة ذات وزن وكتلة مانع، وهنا لا أتحدث عن حالة فوضاوية وتوهمات بأن العرب الفلسطينيين سيتوحدون بل حديث يدور لمن تصوت احتجاجي مصلحي يؤسس لهزة أخرى في الانتخابات الإسرائيلية ثم فليذهب الكل إلى حيث يريد.
لقد حذر رعنان كوهين منذ عقود رئيس شعبة الاستخبارات الإسرائيلية من أن القوة البرلمانية للعرب ستصل إلى 20 مقعد في مطلع القرن ال21 وهو ما حصل فعلًا لكن العرب لم يستغلوا هذه القوة الانتخابية والتي تُحطم الأساس الصهيوني اليهودي بقانون القومية وغيرها من قوانين في هذه الدولة ويؤسس اللبنة الأولى لتحويل دولة الاحتلال إلى دولة ثنائية القومية أو يركز مشروع الدولة الواحدة فيما بعد مشروع الضم في إطار صفقة القرن.
إن استخدام الصوت العربي داخل البرلمان هو أمر قد يؤدي لاختيار رئيس وزراء كما حصل عام 1992م أو من المحرمات كما يأتي مثل برنامج والحوارات الانتخابية في الانتخابات الحالية والأهم هو تحطيم صهيونية الدولة التي عملت منذ قرون على ترسيخ الحلم الصهيوني في أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، ليعودوا بعد كل هذه الممارسات العرب كقوة ثانية وربما ثالثة في الكنيست ومؤسسات المجتمع الدولي.
إن ما يحدث في إسرائيل من عدم قدرة المعسكرين الرئيسيين من حسم الانتخابات يؤسس لتغيير جذري في القانون الانتخابي والنظام السياسي في إسرائيل وهو ما حصل سابقًا في إقرار قانون انتخابات رئيس الوزراء مباشرة عام 1992م واعتماده في انتخابات 1996م والعودة عنه في انتخابات 1999م لتجاوز التأثير الأحزاب الهامشية في الحياة السياسية قدرتها على المناورة خلال المفاوضات الائتلافية وتعزيز قوة الحزبين الرئيسيين وهو ما قد أثبت فشله ليعود لانتخاب رئيس الوزراء من رئيس الحزب الأكثر حصولًا على الأصوات ولكن مع تعميق حالة الاستقطاب ما بين يمين متطرف عنصري وما بين يمين وسطي ويساري وسطي مع ذوبان وتآكل في اليسار أدى لعدم القدرة للحسم في إطار المعسكرات وهو ما يُشكّل عقدة هذه الانتخابات.
إن حالة اللااستقرار السياسي والعنف السياسي لوحظ أنه لم يكمّل أي كنيست أو أي حكومة في إسرائيل مدتها القانونية إلا في حالة أو حالتين فقط في تاريخ إسرائيل منذ عام 1994م هي حالة عامة في السياسية الإسرائيلية وهو ما يؤكد أهمية الصوت الفلسطيني وضرورة اللجوء للتصويت الاحتجاجي كما حصل 1977م كما حصل مع الشرقيين وخاصة مع اتساع حالة العنف واللااستقرار لترتد على المعسكرات والأحزاب والنظام السياسي والمجتمع، فلنتابع لشعارات اليمين وسياسته، القوانين العنصرية، الاقتتال السياسي، تقليص صلاحيات المحكمة العليا، إخراج الجمعيات الحقوقية عن القانون واعتبارهم خونة ...إلخ، فقد تُعزّز هذه الحالة عام 1977م وبعد العام 1992م التي أدت لاغتيال رابين لاعتماده على الصوت العربي لتثبيت حكومته وتمرير اتفاق أوسلو.
العنف السياسي يؤسس لعنف مجتمعي فقد قام النظام الانتخابي في إسرائيل وبنسبة حسم متدنية كي يضمن تمثيل كافة الطوائف والفئات في إسرائيل كي يتم تجنب حالة العنف المجتمعي وضمان تفريغ كافة التناقضات في المؤسسات عبر الديمقراطية والانتخابات في المجتمع يمتاز بالطوائف والأقليات وخاصة بعد فشل سياسة بوطقة الصهر والتنشئة الاجتماعية مما يعني عودة العنف عموديًا من الأعلى بعد أن عملت إسرائيل عقود لتتلافى العنف الأفقي.
حاول اليمين الصهيوني وليبرمان إخراج الصوت العربي من الكنيست برفع نسبة الحسم وهو ما دفع العرب لتكتل في القائمة المشتركة وأسس لوجود تكتل ذو الوزن بالانتخابات ومن ثم تكتل المعسكرات الانتخابية وهو ما يحصل في هذه الانتخابات خاصة بعد عدم قدرة بعض الأحزاب من تجاوز نسبة الحسم في الدورة الأولى والثانية من هذه الانتخابات مما عزز تكتل المعسكرات والأحزاب الصغيرة من أقصى اليمين لأقصى اليسار.
إن تجربة الانتخابات الحالية لن تمر مرور الكرام مستقبلًا دون دراسة وتعزيز القانون الانتخابي أو وضع قوانين جديدة تتجاوز الأزمة السياسية الحالية وضمان بعض استقرار للنظام السياسي في إسرائيل أو على الأقل سيؤسس لمفاهيم جديدة في الحياة السياسية وفي الذهنية الصهيونية وعلى ذلك فإن الصوت العربي والتكتل العربي عليه أن يكون جاهزًا في المرحلة القادمة وهو ما حصل في العام 1977م وبعدها كذلك 1992م بعد اغتيال رابين والاعتماد على الصوت العربي.

