مقابلة صحفية مع الأسير محمد إدريس رشدان - خاص مركز حنظلة
المقابل : الأسير محمد إدريس عسكر
المقابلة مع الأسير : محمد إدريس بدوي رشدان
الحالة الاجتماعية : متزوج
الحكم : 22 عام
مكان الإقامة : نابلس
السؤال الأول: ما رأيك بالوضع الاعتقالي في الحركة الأسيرة؟
ج: قال أحدهم "عندما نصل إلى الحقيقة فلا تظن أنك على صواب" فكن كأننا أجبن من أن نصارح أنفسنا فكيف لنا أن نتعدى الكذبة أو مفهوم الصنم
لا شك أن حقيقة الوضع الاعتقالي مشوشة في ذاك القبر الذي يمس المجتمع الفلسطيني على كافة مستوياته ولا سيما وأننا "المجتمع الاعتقالي" جزء لا يتجزأ من المجتمع الفلسطيني وتفاعلاته الثقافية والسياسية والوطنية.
في ما مضى وقبل عقدان من الزمن كان الوضع في الساحة الاعتقالية مغاير تمامًا، وكانت قدرة الاستيعاب والتنظيم عالية جدًا، فبمجرد دخولك إلى المعتقل سرعان ما تنخرط في الجسم الاعتقالي النضالي وفق معايير ومفاهيم وطنية بصرف النظر عن المكون الحزبي والفصائلي، وكانت المواقع الاعتقالية قوية متماسكة وكان التضامن قائم على الشعور المشترك البديهي من منطلق المسؤولية الوطنية والمصالح العامة، هذا الشعور كان يعززه دومًا الالتزام الأيدولوجي والوطني بالوحدة في مواجهة العدو الصهيوني على المستويين الداخلي والخارجي خاصة أننا نتحدث عن انتفاضة الأقصى وانعكاساتها السياسية والوطنية على الشعب الفلسطيني وما تلاها من أحداث سياسية واجتماعية وانتهت بنا إلى ما نحن عليه الآن خاصة ما بعد اغتيال كل القادة المؤثرين والمؤسسين بجبهة التحرير الوطني بكافة مكوناتها الفصائلية مثال ياسر عرفات والشيخ أحمد ياسين والأمين العام للجبهة الشعبية أبو علي مصطفى وصولًا إلى عام 2006-2007م الذي انقطعت من بعده أوصال الوحدة الوطنية والوطن وبات المشهد الفلسطيني برمته محصورًا في ذاته تحده وتحدده مفاهيم الجمود، الانقسام، الفرقة، الاغتراب، والعزوف شبه التام عن ثقافة التضامن الاجتماعي والوطني، وفي رأينا أن الشعب الفلسطيني وقضيته يعانيان من فترة السلطة وتعنت الإرادة السياسية تجاه خلافاتنا الداخلية، هناك من يقول أن التحولات الثقافية في المفاهيم السياسية والاجتماعية والوطنية التي بدأت تتغلغل في النسيج الفلسطيني ما بعد 2007م هي محاولة لوضع إطار جديد للفلسطيني الجديد "طبعًا نحن نقصد من وجهة نظر السلطة-الدولة"، هذا الفلسطيني الجديد يجب أن يكون ضمن بوطقة صهر موجة ثقافية ذات خصائص كثيرة بحذافيرها تتناسب مع مفاهيم وقيم العالم الجديد ما بعد العام 1990م، عندما نتأمل الخطاب السياسي والثقافي للسلطة يمكن لنا أن نرى إلى أين يسوق هذا النظام الأجيال من حيث التوجهات والاهتمامات الحياتية واليومية ويمكن لنا أن نلاحظ أيضًا مدى الفجوة ما بين المواطن والسلطة من خلال قياس مدى الاستجابة للمواقف وردّات الفعل السياسية والوطنية التي يعبر عنها النظام، نحن لسنا هنا ضد هذا التوجه للسلطة ومفاعلها الأمنية والاقتصادية والثقافية ولكننا نستطيع أن نميز ما بين الغث والسمين والبث والصمود وما بيت الأولويات منها المهم والأهم، فمسألة الاهتمام بتعزيز وتشكيل شخصية الفرد أو المواطن الفلسطيني وتوفير الأدوات والإمكانيات التي تساعد في تطور وتطوير اهتماماته هي مسألة مهمة بل واجبة ولكن ليس على حساب الانشغال والعزوف عن البوطقة الوطنية وقضاياه المصيرية وإننا نردد ونقول إن المبادئ ثابتة كالحقائق لا تجتزأ وأن القيم متحركة متطورة على قاعدة الثابت والثابت هو الهوية التاريخية والدينية والوطنية للفرد أو المجموع ومن دونها فهو كالعوالق* على وجه الماء يطفو، وهذا للأسف ما نستشفه* ونتلمسه في أوساط وجلبات هذا الجيل الصاعد تحتك به وتتفاعل معه وتجد في طاقة كاملة هائلة ورفض غريزي وفطري للاحتلال والاستعداد والقيود ويدرك حقيقة وجود الثورة لدحر الاحتلال، ولكن الاحتلال بالنسبة له لا يتعدى مفهوم الحاجز والجندي الذي يراه، تجده غاضب إلى درجة السخط على الوضع والواقع الاجتماعي والسياسي دون أن يعي تمامًا جوفية وتفاصيل وتاريخ قضيته، هذا التناقض والذي هو نتاج قصور وتراجع المفاهيم الثورية والوطنية والتعبئة الحزبية لصالح حضور المؤسسة الرسمية يؤدي بطبيعة الحال إلى الصورة الأولى صورة غير واضحة الملامح ومشوشة.
كانت السجون في ما مضى مدراس للتوعية والتثقيف ومعسكرات لشحذ الهمم والإعداد والتجهيز كان المناضل يدخل المعتقل لمدة لا تتجاوز العام ويخرج مصقول الهوية والشخصية معتد بنفسه وقضيته الوطنية مشحون وفاعل لا يعرف الخمول، أهدافه واضحة وهويته واضحة وعقله فاعل بإيجاب، الوضع اليوم مختلف وهناك تراجع قيمي وأخلاقي ووطني ملحوظ، هذا الاختلاف والتراجع من وجهة نظرنا يرجع في الأساس إلى عدم التقاء وانسجام فكرة السلطة -الدولة- مع فكرة التنظيم الثوري تحت مظلة السلطة وحتى لا نسهب في هذا السياق فإن غياب التنظيم الثوري وثقافته وتراجعه لصالح المؤسسة ما بعد أوسلو فتح حالة من الفوضى الاعتباطية ومن ثم أنتج فجوة على الصعيد الفصائلي والوطني، ومن ثم أنتج الانقسام وبالتالي خرجت أهم ركيزة سياسية وهي التضامن الوطني الذي تتراجع من بعده كل القيم الروحية والأخلاقية والوطنية، الوضع الاعتقالي اليوم هو صورة مصغرة عن الوضع الثقافي والاجتماعي والسياسي للمجتمع الفلسطيني ونحن عاجزين بكل وضوح وصراحة عن معالجة الكثير من مشاكلنا الداخلية بسبب الانقسامات الداخلية، وهذا ما يجعلنا فريسة سهلة أمام مصلحة السجون وسلطات الاحتلال، وهناك تخاذل يصل إلى حد الانحطاط والخيانة والتآمر والتحالف مع مصلحة السجون ضد أي خطوات نضالية الاعتقالية ضد سياسات مصلحة السجون، وهذا كان جليًا وواضح في إضراب 2017 وهناك أيضًا قصور وعجز في معالجة قضايا أخواتنا المعتقلات والأشبال اللذين تم نقلهم مؤخرًا والاستفراد بهم دون ممثلين عنهم، وأخيرًا عندما نتحدث عن الوضع الاعتقالي يكفي أن نضع على طاولة النقاش مناخ* التجارب والسوق السوداء، اليوم الجهاز الخلوي يبدأ ثمنه من 20 ألف شيكل وينتهي ب50 ألف شيكل وهل السوق منظمة ومحكمة وقنواتها لا تتعدى الرؤية الأمنية الإسرائيلية وشخوصها في أعلى الهلم الاعتقالي.
السؤال الثاني : ما المطلوب للنهوض بالحركة الأسيرة لأخذ دورها الريادي ؟
الجواب : لا يمكن لنا الخروج من هذا الواقع الصعب إلا من خلال نهضة وطنية شاملة تستعيد الدور الريادي والمكانة الوطنية للفعل النضالي الثوري والذي له انعكاساته المباشرة على الواقع الاعتقالي والحركة الأسيرة، بمعنى أن الواقع الفلسطيني في ظل استمرار الاحتلال والنضال من أجل الاستقلال من الطبيعي أن يولّد تناقض ما بين رؤية المؤسسة الرسمية "السلطة" وما بين الأحزاب الثورية، عندما ننظر إلى التجربة التاريخية نجد أن حركات التحرر الوطني لم تمر في مراحل التناقض والبناء إلا عندما وقفت على أرضية بناء راسخة وصلبة معروفة ومعرّفة لا تتجاوز أو تسقط مبدأ تحرير الأرض من الاحتلال والاعتراف الفعلي وليس الضمني بحق الشعوب في تحقيق المصير، وهو ما نفتقده في الحالة الفلسطينية ونتحدث عن الدولة والسلطة والبناء والاحتلال ما زال على أرضنا وحاضر بشرعية الاتفاقيات في أدق تفاصيل حياتنا، وماضٍ في تمكين وبناء وترسيخ وجوده الأمني والاقتصادي والاستيطاني والعسكري، إذا ما سلمّنا بانتهاء أوسلو وفشلها الذريع كما يقول لسان حالنا والكثير من المراقبين والقادة والسياسيين فعلينا أن نسلّم بتراجع السلطة لصالح عودة الفعل النضالي الثوري إلى الساحة النضالية والوطنية بمعنى يجب أن تستعيد الفصائل والتنظيمات دورها ووظيفتها الوطنية والاجتماعية، فلا يمكن للحركة الأسيرة أن تنهض وتستعيد دورها ومكانتها وفاعليتها على المستوى الداخلي والخارجي إلا في حال تعزيز دور فصائل العمل الوطني، بمعنى آخر يجب أن تستعيد منظمة التحرير فعاليتها وديناميكيتها كإطار جامع وحاضن للشعب الفلسطيني بكافة مكوناته ويجب أن تكون قرارات المنظمة ملزمة للسلطة بصفتها القانونية والتمثيلية العليا للشعب الفلسطيني.
السؤال الرابع: هل تلعب الحركة الأسيرة دور مؤثر في الوضع السياسي الفلسطيني؟ إذا كان الجواب نعم، فكيف؟ وإذا لا فما هي الأسباب وما المطلوب منها؟
الجواب : لا شك أن دور الحركة الأسيرة غائب ولا تأثير له على القرار السياسي لأسباب تتعلق بغياب وتراجع دور الفصائل بشكل عام، الحركة الأسيرة تستمد قوة تأثيرها على الساحة الاجتماعية والوطنية من قلة حضور وفاعلية التنظيمات الفلسطينية على الأرض فعندما اندلعت انتفاضة الأقصى انهارت السلطة ومؤسساتها واستعادت التنظيمات الفلسطينية دورها السياسي والاجتماعي والعسكري وأولًا إلى عودة السلطة وأجبرت النضال السياسي (2005-2007) وعندما فشلت جميع الوساطات للخروج من الأزمة جاءت مبادرة الأسرى وقدمت الحركة الأسيرة ممثلة بجميع الفصائل خارطة طريق أجمع عليها كل الفلسطينيين ولكن اتهام السياسة الدولية والمحاور الإقليمية ناهيك عن شهوة السلطة وانتهازاتها أفشلت هذه المبادرة وتلاشى تأثيرها وتأثير الحركة الأسيرة ما بعد الانقسام وتبعاته هذا من جانب، ومن جانب آخر هناك من يقول أن التجربة الفلسطينية بسلبها وإيجابها قد نضجت إلى مستوى ترى التراجع وتلاشي دور التنظيم الثوري ليحل محله دور التنظيم الحزبي وأدوات النضال السياسي، وأما اتفاق أوسلو وما أنتجه من مؤسسات سياسية واقتصادية وأمنية كافي للقيام بالدور النهائي لدحر الاحتلال والاستقلال وقيام الدولة، في هذه الحالة علينا أن نسلم بحقيقة أن الفعل النضالي الثوري ضد الاحتلال إن ذلك على المستوى الفردي أو التنظيمي هو فعل مفتقد إلى الشرعية كون الشرعية ملتزمة بمعاهدات واتفاقيات تنفي شرعية المقاومة المسلحة والعنف الثوري ضد الاحتلال وتصنفه كإرهاب وتلاحقه وتفكك خلاياه بحزم وعزيمة وعقيدة أمنية تنسجم إلى حد التماهي مع عزيمة وحزم وعقيدة الاحتلال بذاته وهذا واقع الحال، لذلك قلنا فيما مضى ونقول أن أوسلو جاء بسلطة وطنية في مرحلة انتقالية لا تتجاوز الخمس سنوات وأن هذه السلطة انحرفت عن مسارها وأنزفتها وأصبحت ما بعد عام 2006م أداة قهر وقمع وسيطرة تخدم بشكل مباشر من خلال التنسيق الأمني تمكين الاحتلال والتوسع الاستيطاني وتخدم بشكل غير مباشر استراتيجية الاحتلال الصهيوني الذي يتمركز على عامل الزمن في فرض الحقائق على الأرض، هذا يقودنا إلى نتيجة مفادها أنه لا يمكن أن تستعيد الفصائل الفلسطينية والحركة الأسيرة دورها الاجتماعي والوطني والنضالي في ظل السياسيات الأمنية للسلطة بشكلها الحالي.
السؤال الخامس: في ظل التغييرات الإقليمية والهجوم على محور المقاومة، ما المطلوب عربيًا لتعزيز هذا المحور؟
الجواب: عندما نقول ما المطلوب عربيًا يتبادر إلى ذهني الزعيم جمال عبد الناصر، عندما نقول محور المقاومة نتحدث عن بدايات مشروع المقاومة الرافض للاستعمار والإمبريالية، الرافض للتبعية العسكرية والأمنية والاقتصادية، عندما نقول ما المطلوب عربيًا لدعم محور المقاومة فهذا يعني أننا نتحدث عن دول عربية تتبنى مشروع المقاومة كمشروع تحرري قومي إن كان ذلك على المستوى الفردي لهذه الدول أو الجمعي، وواقع الحال العربي لا علاقة له بما تقدم، ربما كان هنالك أمل بأن نبني على مثل هذا السؤال ما قبل العام 1990م واكن في اعتقادي فقط السؤال وجوابه من العقل العربي ما بعد 2003م.
المشهد العربي اليوم ممزق، دول بأكملها دمرت، ملايين العرب هُجروا ومئات الآلاف قُتلوا في حروب البقاء وهنا لا أتحدث عن الغرب وسياسات الاستعمار بل أتحدث عن سيكولوجية المجتمعات العربية وأزماتها السياسية، إن دعم محور المقاومة يعني الإطاحة بالأنظمة السياسية الدكتاتورية وصمود وبناء أنظمة سياسية تتسلح بعقيدة التحرر الوطني والقومي ضد الاستعمار الغربي والتبعية له وهذا أمر في ظل حاضرنا العربي بعيد المناف، هذا يعني أنه علينا أن نصوب السؤال نحو "ما المطلوب من الشعوب والمجتمعات العربية لدعم محور المقاومة ؟"، المطلوب أولًا الخروج من مأزق الهويات الخاصة إلى الهوية الجمعية بمفهومها العربي المسيحي والإسلامي، ليس بالضرورة أن نتحدث القومية يمكن الحديث عن المصالح المشتركة لشعوب الأمة العربية التي ستعود عليها نتيجة دعمها لمحور المقاومة، إن مشروع الوحدة العربية تغير منذ انطلاقه لسبب واحد ووحيد وهو غياب الإرادة السياسية للنظم العربية وارتباطها بالاستعمار منذ نشأته فإذا تجاوزنا هذه النظم نحو علاقات ثقافية واقتصادية بين المجتمعات والشعوب العربية بعيدًا عن البيروقراطية السياسية على غرار تجربة الوحدة الأوربية يمكن حينها الحديث عن دعم وتعزيز محور المقاومة لأنه يمثل دمارًا للعلاقات والمصالح الاقتصادية الناشئة ويفرض هذا النظام السياسي تغير سياساتها الخارجية بما يخدم مصالحها ومصالح شعوبها لكني لا أرى في المنظور القريب أو البعيد توجه عربي حقيقي لدعم محور المقاومة وكل من يفكر في هذا الاتجاه يرى في المشهد الخلفي والأمامي صورة العراق وسوريا واليمن وليبيا.
السؤال السادس: ما هو انعكاس التغييرات الإقليمية والدولية على القضية الفلسطينية ؟
الجواب: كانت وما زالت المتغيرات السياسية على الساحة الدولية بشكل عام والساحة العربية بشكل خاص لها انعكاساتها على القضية الفلسطينية، لا سميا وأننا لا زلنا متمسكين بالتوصيف الأولي للصراع العربي الفلسطيني الصهيوني على أنه صراع فطري منذ العام 1948م اتجه العالم على التعاطي مع القضية الفلسطينية على مبدأ القرارات الأممية (181و194) هذان القراران كانا وما زالا يشكلان الضمان الحقيقي لعدالة وشرعية نضالنا ضد الكيان الصهيوني، لا شك أننا نعيش في عالم قاسي بعيد عن المثالية والأخلاقيات القانونية والقيم الإنسانية التي قامت عليها وتنادي بها مؤسسات المجتمع الدولي مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن اللذان هما من وضعوا الحجر الأساس لبناء دولة الاحتلال وشرعية أحقية وجوده بأكبر عملية تزييف شهدها التاريخ الحديث، عندما ننظر إلى النظام الدولي والآليات التي تحكم سيره نرى أن المنطق "الدارويني" هو السائد "البقاء للأقوى"، في المقابل نجد المنظومة العربية تابعة برمتها قسريًا لهذا النظام وبالتالي فهي دول متقلبة للسياسات الخارجية وليست تابعة لها فأي حدث على المستوى الدولي تضيفه وتديره الدول العظمى وفق رؤياها ومصالحها الخاصة بعيدًا عن الاعتبارات الداخلية أو الخارجية للدول العربية بما فيها القضية الفلسطينية، نحن نعيش في نظام دولي أحادي القطبية فالتاريخ يعلّمنا أن التحالفات طويلة الأمد خاصة عندما تكون بين أطراف الغير متوازنة أو متكافئة هي تحالفات مضرة على المدى البعيد للطرف الأضعف ولا يجوز الاعتماد على مواقف استراتيجية بعيدة الأمد لأن العلاقات الدولية ترتبط بمصالح والمصالح تتغير بحسب الظروف الداخلية والخارجية لهذه الدول، يمكن لنا أن نقيس تردد الانعكاسات الإقليمية والدولية على القضية الفلسطينية بمقياس الأحداث السياسية المؤثرة في صياغة الحقب التاريخية من وعد بلفور وقيام دولة الكيان الصهيوني مرورًا بستينيات القرن الماضي وحتى أيامنا هذه ومن ثم نطلق العنان لسؤال استقصائي بحيث يبحث في مدى صوابية التوجهات السياسية للعقل السياسي الفلسطيني بما يتعلق بالتحالفات والمحاور الإقليمية والدولية.
من المشروع القومي الناصري إلى اتفاقية السلام مرورًا باجتياح لبنان وخروج منظمة التحرير عام 1982م إلى سقوط الاتحاد السوفييتي وبدء غزو العراق مرورًا بأوسلو ومن ثم أحداث سبتمبر وصولًا إلى الشرط الأوسط الجديد الذي عبرت عنه الإدارة الأمريكية ما قبل بما سمي بثورات الربيع العربي التي سارت وتسير وفق نظرية الفوضى الخلاقة بعد خروج مصر من دائرة الصراع العربي الصهيوني وفشل المشروع الناصري بدء الانحسار وبات جليًا وواضحًا أما الفلسطيني خُلق وحيدًا وسيستمر في نضاله الثوري والتحرري وحيدًا بعيدًا عن توجهات محيطه العربي والقومي بالمعنى السياسي وليس الجماهيري أو الشعبوي.
القضية الفلسطينية حية وحاضرة في وجدان وقلوب وضمائر الشعوب العربية وستبقى كذلك ولكنها ليست أولوية وفي أحيان كثيرة تكون عقبة أمام مصالح الحكام العرب لذلك هناك من يقول أن الثورة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير وحركة فتح أخطأت استراتيجيًا ما بعد مؤتمر الرباط 1974م واعترافها بقرارات 242 و338 واخطأت استراتيجيًا أيضًا عندما قررت دخول النظام الدولي من الباب الغربي وعدم انحياز المرحلة إلى المعسكر الشرقي، فإذا ما عدنا إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي نرى أنه كان من الأفضل لنا الخروج بقضيتنا من مربعات المنظومة العربية التابعة للاستعمار والاتجاه نحو الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي الناهض، نقول هذا لأننا نشهد اليوم بشكل واضح وضريح إعادة نهضة الدول في المعسكر الشرقي بأسلوب جديد يعبر عن قوة هذا المعسكر وتأثيره على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري، ولمن يقول أن هذا المحور جلب الدمار للعراق وسوريا نقول له أنه جامد الصواب في الحقيقة لأن الدول العظمى عندما تعيد موضعتها على مبدأ اتساع مناطق نفوذها أو تغييرها لا يتم ذلك من خلال السياسات الناعمة كما هو حال الصين اليوم وإنما يتم ذلك من خلال القوة العسكرية التي يترتب عليها انهيار دول ودمار إفرازات سكانية، ولا ننسى القضية الفلسطينية بعمقها التاريخي والديني الجغرافي لها خصوصية تشكل لها صمام الأمان من الدمار الذي شهدته بعض البلدان العربية مثل العراق وسوريا، وبالعودة إلى القرن الخامس عشر نجد الروس بسطوا سيطرتهم الدينية على كنيسة المهد بعد حرب الكرك، هذه الخصوصية التاريخية الدينية المسيحية والإسلامية واليهودية تشكل ضمانًا لحماية هذه الأرض من الدمار وتجعلها شرارة تنافس سياسي وديني لبث النفوذ والسيطرة عليها روحيًا من قبل الدول العظمى.
السؤال السابع: في ظل ما يعرف بصفقة القرن ومحاولة تطبيقها على أرض الواقع من بناء مستوطنات محلية وتحويل المحافظات إلى محليات وحالة الانقسام، وادعاء القادة السياسيين الصهاينة بضم الأغوار لاستقطاب الناخب الصهيوني، ما المطلوب منا فلسطينيًا بهذا الاتجاه ؟
الجواب: هذا التوجه بات مدركًا في وعي القيادة السياسية الفلسطينية بعد تسليمها بفشلها الذريع في تحالفاتها السياسية وارتكازها على أمريكا وأوروبا ورأينا كيف تحدث الرئيس محمود عباس في الزيارة الأخيرة للرئيس بوتين نحو ضرورة أن تلعب روسيا الاتحادية دورًا فاعلًا وأساس في إعادة توازن القضية الفلسطينية على المستوى الدولي، خاصة وأننا في اللحظات الأخيرة التي تسبق بالإعلان عن صفقة القرن والتي هي في حقيقتها بمثابة الإعلان الفعلي عن موت الحلم الفلسطيني لاستقلاله وإقامة دولته على حدود الرابع من حزيران 1967م، وفي رأينا أن صفقة القرن جاءت في الذكرى المئوية للكتاب الأبيض عام 1921م الذي يؤكد على عدم وجود شعب فلسطيني على هذه الأرض وأن السكان الموجودين على هذه الأرض هم رعاة وبدو لا تجمعهم ثقافة حضارية وليس لديهم عناصرو قواسم وهوية تاريخية وثقافية تعبر عن شعب له نظامه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والأخلاقي هذا من جانب، ومن جانب آخر يقول الصهيوني المسيحي "فريدمان" أن صفقة القرن ليست وليدة اللحظة وليست صفقة سياسية مكتوبة على الورق بل هي نتاج ارهافات سياسية واقتصادية وأمنية اتضحت ملامحها على مدى سنوات مضت وهو في هذا الجانب أصاب فلسان حالنا الاقتصادي والسياسي والأمني منسجم إلى حد ما ومطابق في جزء من الأجزاء هذا التعبير، لننظر إلى حال الضفة وغزة نجد محافظات معزولة ضمن رؤية سياسية فلسطينية إدارية تتبنى على نظرية التشبيك والتكيف مع قواعد الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية مع بنى الاحتلال وهياكله، والفلسطيني البسيط وصولًا إلى الفلسطيني المتنفذ وصانع القرار عندما يصل إلى طريق مسدود يعيق مجريات حياته اليومية والسياسية والاقتصادية سرعان ما ينادي بضرورة اتخاذ خطوات وتطبيق قرارات المجلس الوطني والمجلس المركزي القاضية بإلغاء الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية وسحب الاعتراف بدولة الاحتلال.
نداء وخطاب سياسي لا قيمة له ولا معنى على الأرض والسبب في ذلك أن الهدف الأول للنضال السياسي وغايته النهائية بصرف النظر عن شكله ومكانه هو الحفاظ على بقاءه واستمراره ومن ثم الوفاء بالتزاماته المعنوية والمادية، المطلوب منا فلسطينيًا أن نكون على قدر المسؤولية التاريخية باتجاه قضيتنا المركزية كذلك على قدر المسؤولية في اتخاذ القرارات والخطوات الاستراتيجية التي تنسجم وتتلاءم مع المتغيرات الإقليمية والدولية فنحن الآن أمام لحظة تاريخية مفصلية لا يمكن مجاثيتها أو الالتفاف عليها أو تجاوزها على المستوى السياسي والشعبي دون أن تتخذ خطوات بمستوى المعطيات السياسية والحقائق التي تكرس على الأرض، لم يقدم الرئيس محمود عباس والقيادة الفلسطينية ردًا يرقى بمستوى إعلان ترامب ومن الخطأ ولا يجوز بشكل من الأشكال أن نكتفي على المستوى الجمعي بهذا الرد الذي لم يتجاوز أدبيات اللغة السياسية والقانونية ونحن لا نعني بذلك أن ندير ظهورنا للمجتمع الدولي والقانون الدولي أو أن نقلب الطاولة ونمحي وجود السلطة بحلها، بل نعني بذلك أن مصطلح إعادة النظر بالدور الوظيفي للسلطة الفلسطينية يجب أن يكون على أسس ثابتة ومفاهيم وطنية وسياسية واضحة:-
أولًا: سحب الصلاحيات السياسية والأمنية والاقتصادية للسلطة الفلسطينية وإرجاعها إلى منظمة التحرير الفلسطينية وإلى المجلس المركزي واللجنة التنفيذية، هذا يعني أن الدور الوظيفي للسلطة يعود إلى طبيعته الأولى والأخيرة التي تقتصر على إدارة الحياة اليومية والإدارية للفلسطيني داخل الأراضي المحتلة وفق آليات وقرارات وبرامج ملزمة للسلطة من الهيئات القيادية العليا لمنظمة التحرير وهذا يخالف التعريف الذي قدمه "د. صائب عريقات" لمفهوم الدور الوظيفي للسلطة، فالسلطة بشكلها الحالي ومؤسساتها عاجزة عن أداء وظيفة الانتقال إلى الدولة وتكريسها فهي بذاتها سلطة منقسمة شرعيتها ومنتهية الصلاحية وسلطاتها متداخلة وصلاحياتها لا يحدها قانون أو يفسرها فقه دستوري.
ثانيًا: يجب إعادة التوازن والقوة والنفوذ المعنوي والمادي فعلًا لا قولًا لمنظمة التحرير وتعزيز حضورها على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي بمعنى أن على المجلس الوطني والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية أن تتسع لكافة مكونات هذا الشعب دون قيد أو شرط على الدخول والعضوية، وعلى اللجنة التنفيذية أن تكون السلطة التنفيذية الفعلية بمقررات المجلس الوطني والمجلس المركزي ويجب أن تكون سلطتها ملتزمة بهرم السلطة وفق مستوياتها.
ثالثًا: لسنا من أصحاب الخلط في سلاح المقاومة الفلسطينية ولا من أصحاب البحث عن الأصول الفكرية والمذهبية أو السياسية لقنوات إمداد وتمويل هذا السلاح ودعمه، نحن نرى أنه يجب أن تكون منظمة التحرير بكافة أطرها ومستوياتها داعمة لهذا السلاح وقابضة عليه ليس كورقة مساومة بل كوسيلة مقدسة مساعدة حتى تحرير الأرض والإنسان، هذا يُسقط الرأي القائل " لا سلاح في ظل السلطة إلا سلاح السلطة "، ربما كانت المرحلة تتطلب إهمال هذا الجانب بحكم أوسلو وتبعاته أما الآن وبعد أن اشتد عود المقاومة وأصبحت لدينا قوة صاروخية قادرة على شل حركة نصف سكان الكيان الصهيوني فعلينا أن نكون حذرين جدًا في كيفية النظر والتعاطي مع هذا السلاح، إن القانون الدولي لا يحترم لا يلفت انتباهه إلا بوجود قوة تلزمه الاحترام والانتباه، هذا إنجاز وطني ويجب أن نلتف حوله ونوفر مكونات تُطوره ويجب أن ندافع عنه وعن حق استخدامه المكفول بالاعتراف بالقوانين الأممية.
المقاومة المسلحة تستمد شرعيتها من القانون الدولي الذي يضمن لنا صك براءة من الإرهاب، هناك مفارقة لأن نرى أن بحثها الشاسع الوهمي وهي مسألة فصائل المقاومة خارج منظمة التحرير رب ضارة نافعة، بمعنى إذا كان سلاح المقاومة خارج إطار منظمة التحرير فهذا يعني أن هناك عدم إجماع وطني على سياسات منظمة التحرير وهذا صحي وطبيعي ما قبل التحرير والدولة كون منظمة التحرير مكبلة باتفاقيات دولية مع الاحتلال تسقط حق وشرعية المقاومة المسلحة وبما أننا وصلنا إلى نهاية الطريق الذي خطت مساره منظمة التحرير دون الوصول إلى نتيجة مع الكيان الغاصب فواجب علينا أن نعيد النظر بهذا المسار بأكمله وإذا ما زلنا مؤمنين به ويجب أن نبقى مؤمنين بالتسوية السلمية والمفاوضات والسلام فيجب علينا أن ننظر إلى سلاح المقاومة كأداة ارتكاز لانطلاق مرحلة جديدة تتناسب مع متغيرات هذه اللحظة التاريخية.
السؤال ثامن: اشرح عن تجربتك الاعتقالية في داخل السجون الصهيونية.
الجواب: لا شك أن التجربة الاعتقالية تجربة غنية بحد ذاتها زاخرة بالعديد من المواقف والأحداث التي تركت الأثر الملحوظ على تفكيري وأسلوب حياتي وصقلت قناعاتي ورفعت مستوى الإدراك والوعي لجوهر الرسالة الإنسانية والوطنية لي كإنسان، مقاوم مناضل له أهدافه وتطلعاته الخاصة والعامة التي لا تتعدى مفاهيم الحرية والاستقلال والعيش الكريم لكافة أبناء هذا الشعب العظيم، السجن جوهره الصعب والظروف الاعتقالية سيئة جدًا وهذا أمر كامن في طبيعة ووحشية ولا أخلاقية الاحتلال في سلوكه وسياساته العنصرية ضد أبناء شعبنا سوا داخل السجون أو خارجها، ولا أظن أن أحدًا منا يتوقع أن هناك احتلال على وجه الأرض يتجلى بقيم إنسانية ونظام أخلاقي وقانوني يحفظ الحد الأدنى من الحقوق التبعية للفرد والمجموع الواقع تحت سلطته العسكرية والأمنية ولا يمكن أن يمنحك ولو لساعة واحدة الشعور بالأمان والاستقرار ويحافظ بشكل مستمر ومتوازن من خلال سلسلة من الإجراءات والقوانين والأوامر اليومية أن يدخلك في نظام يحكم السلوك الفردي والجمعي بالاستجابة اللا إرادية بنفي وجودك كإنسان، يدخل المعتقل إلى السجن ويضع خصوصيته مع مقتنياته الشخصية في خزانة الأمانات وتصبح كل خطوة له داخل السجن لها حدودها وتعريفها القانوني من قبل إدارة السجن ويصبح السجين وسلوكه محكوم بنظام يتحكم بتفاصيل حياته هدفه الأول السيطرة والإخضاع المعنوي والفكري ومن ثم يتبع ذلك العديد من الإجراءات الهادفة إلى عزل الفرد عن مخيطه الخارجي وصرف انتباهه واهتمامه بالقضايا الجمعية وتشتيت جهده الفكري عبر اختلاق أزمات ومشاكل على مدار الساعة تتعلق في احتياجاته المادية كالمأكل والمشرب وكمية الغذاء ونوعيته وعدده ونقصه وزيادته وهكذا، وعندما يشعر أن هناك وحدة حال حيال أي قضية اعتقالية سرعان ما يضرب نواة هذه الوحدة إما بسياسة زرع الفتن فرق تسد أو من خلال القمع التعسفي والنقل والعزل والعقوبات وما بين هذا وذاك تبقى الساحة الاعتقالية بكافة مكوناتها في حالة تأهب واستعداد وترقب يومي من أجل الحفاظ على متطلبات الحد الأدنى للسجين أو المعتقل، أما على المستوى الفردي فسرعان ما يصل المعتقل إلى قناعة بضرورة تنظيم وترتيب حياته بما يتناسب مع بيئته وثقافته للواقع الاعتقالي وهذا يتطلب منه ظبط سلوكه الوطني والأخلاقي والالتزام الذاتي لضرورة تحسين وتطور شخصيته وتجربته الحزبية والثقافية من خلال التركيز على الجانب الثقافي والفكري ودراسة قضيته وتاريخها بمراحلها ومحطاتها وتفاصيلها وعلاقتها وترابطها بالمحيط العربي والإقليمي والدولي، ومن ثم يتجه المعتقل وخاصة الأسرى دون الأحكام العالية إلى دراسة الكيان الصهيوني من باب "اعرف عدوك" الأمر الذي يفرض عليه الانتقال إلى معرفة النظام الدولي ودراسته وخاصة دول أوروبا وامريكا والاتحاد السوفييتي سابقًا من أجل مساعدته في فهم العقلية الصهيونية على المستوى الفرد أو الجمعي تأتي في سياق رد الفعل الطبيعي للإنسان الذي يتعرض للقهر والظلم والاضطهاد والاستبداد، هذا رد الفعل الطبيعي للإنسان المؤمن لعدالة قضيته وسالته وواجبه الأخلاقي والديني والوطني، اتجاه هذه الأرض ومن عليها، السجن بظرفه وطبيعته السيئة والقاسية يعزز مع مرور الوقت القناعات ويجزأها ويشحذ الهمم ويصلب الإرادة في مقاومة هذا الاحتلال حتى الخلاص منه وتحرير الأرض والإنسان، فبعد مضي قرابة عشرين عام من الاعتقال كنت وما زلت مؤمنًا لأن صراعنا مع العدو الصهيوني هو صراع تاريخي وجودي لا يقبل لغة السلام والإنصاف والعدل والمساواة ولا يقبل بالحد الفاصل كالجدران والحدود السياسية بين شعبين على هذه الأرض، فلا يعرف عبر التاريخ ومنذ نزول الرسالة السماوية الأولى هدوءً أو استقرارًا إلا عندما تكون المعادلة الحسابية على هذه الأرض صفر، هذه هي الحقيقة التاريخية حتى وإن جانبها البعض، هناك من يقول أن الحركة الصهيونية تريد الصراع دينيًا ونحن نقول نريد الصراع سياسيًا، كل خطوة أو فعل أو تصريح من جانب العدو الصهيوني على هذه الأرض مختوم بدلالة توراتية ونبوءة صهيومسيحية تنفي وجود كل من هو خارج العهدين، الصراع هو الأيدولوجي عقائدي بامتياز وأنا هنا لا أعني أن نتقدم حد السيف والدين علة حدود العقل والمنطق في التعاطي مع هذا الصراع فنحن على أرض الرسالات الثلاث وعلينا أن نحارب بحد القلم واللسان التطرف الديني والفكر الخلاصي في الفكر المسيحي الغربي كما يحارب الغرب التطرف والإرهاب الإسلامي في الشرق -دون أن تستوقفنا اختلاف الأدوات فكل وجود بما لديه من وسائل وإمكانيات-، ألحو إلى هذا الطرح ليأتيني في أعماق ذاتي لا يحكمني تجاوز الخصوصية الإلهية على هذه الأرض وهي خصوصية تسمو على الحقوق والواجبات التاريخية والوطنية وهذا أمر كامن وعميق جدًا يصعب سدره والخوض فيه في ظل هذا التطرف العالمي الذي ينذر بحروب دامية على المستوى الإقليمي والدولي تكون أسبابها سياسية واقتصادية ودوافعها الكامنة عقائدية بامتياز، التجربة الاعتقالية تختلف من فرد إلى آخر إن كان على المستوى الذاتي أو الجمعي في التعاطي مع القضايا الوطنية والقومية والدينية ولكن في مرحلة من المراحل يصل المرء إلى مستوى من الوعي والإدراك الذي يؤهله لاستشراق المستقبل القريب والبعيد من وجهة نظر حدية وجديّة تقوم عليها قناعاته الفكرية في شتّى القضايا الخاصة والعامة لمسيرته ومسيرة شعبه وأمته والمجتمع العربي بشكل عام، دائمًا أقول أن التناقض الفكري بالضرورة أن يخلق انسجام مهما كانت تفاعلاته ومهما كانت اتجاهاته فالعقل ينتهي دائمًا إلى نقطة يمكن من خلالها أن يشكل صورة من صور الانسجام والتي من المفترض أن تتلاءم وتتجانس مع مقتضيات العصر وهو انسجام مرحلي لا يمكن الارتكاز عليه كقاعدة أزلية سرمدية، العقل يسمو ويتطور وفق مبدأ التضاد والأدوات تُستنفذ وتُستبدل وتتطور بما يخدم الصالح العام للمجتمعات العشرية، عندما أنظر إلى المشهد الفلسطيني وتناقضاته ابتسم في وجه الأجيال القادمة لأنني مؤمن بهذا الشعب العظيم ومؤمن بحتمية التغيير والتطور في البنى والهياكل الثقافية والاجتماعية والوطنية لصالح القضية وتحرير الأرض والإنسان، الحربة والاستقلال هما نتاج حتمي للثورة والفعل التضامني المستمر والاحتلال حتمًا إلى زوال.
السؤال التاسع: ما هي دعوتك للشارع الفلسطيني والأطياف السياسية؟
الجواب: رسالتنا إلى شعبنا العظيم في الوطن والشتات هي رسالة ثبات صمود في مقاومة هذا الاحتلال ودعوة إلى تعزيز ثقافة التضامن والالتفاف الجماهيري والوطني حول قضيتنا المركزية وفرض الإرادة الشعبية على الإرادة السياسية وإلزامها بإنهاء الانقسام على أسس وطنية تُعزز وحدتنا وجبهتنا الداخلية من أجل الوقوف أمام العالم في مواجهة المؤامرة الصهيوأمريكية التي تستهدف تاريخنا وحاضرنا ومستقبل وجودنا على هذه الأرض، ورسالتنا إلى المجتمع السياسي وهيئاته الفاعلة على المستوى الثقافي والاقتصادي والسياسي نقول : آن الأوان للخروج من عباءة المجتمع الأبوي وإطلاق الفكر وتوفير الإمكانيات المادية والمعنوية لبناء نظام سياسي فاعل وقادر على أداء وظيفته وحماية مواطنيه.

