بقلم الأسير أمجد عوّاد - مركز حنظلة للأسرى والمحررين
للحركة الصهيونية اليهودية قصة مع الوعود بدأت بوعد من الرب وحظيت مؤخرًا بوعدٍ من "ترامب" وهي العلمانية في بعضها والملحدة في بعضها الأخرى، وفي خضام صراعه الحقيقي مع التيارات الدينية المختلفة أو لمسألة استيطان فلسطين وإقامة دولة من عدمه وتناقض ذلك مع المسيح المنتظر "المُخلِّص" ومع وظيفة اليهودي عبر التاريخ المختزلة بالعبادة وتفسير التوراة، رأت في تفسيره الأخير ونصوصه فرصةً تاريخية لن تُعوَّض ووظفته لصالحها واعتبرته وسيلة مواصلات ما إن تصل إليه إلى المحطة المُرادة تنزل منها على حد تعبير أول رئيس وزراء لدولة الكيان الصهيوني "بن غريون"، أخذت الحركة بتشريح التوراة والبحث بين طياته وطبقاته سفرًا سفرًا آخذة وتاركةً ما تريد.
التوراة والذي أضحى في الزمن العلمي والتطور التكنولوجي ضربًا من هراء، فإذا ما أضعناه لتمثيل العضلات بين العلم والمنطق والعقل السليم سيُهزم وإذا ما خاض مبارزةً في مواجهة علم الآثار والتاريخ والأركيولوجيا سيُسحق وإذا ما تعارك مع روائي أو كاتب أو متمرس أمثال فراس السواح أو جابر يائيل أو غارسيا ماركيز أو ماركس وغيرهم الكثير حتمًا سيطحن تحت رحى عبقريتهم ولغتهم المقنعة وطراوة إبداعهم.
فجاء المفكرين الصهاينة العلمانيين في غالبيتهم بعد أن استوقفهم في التوراة نصوصًا كثيرة ليخرجوا منه الوعد الأول وعدٌ رباني بأرض فلسطين منحه الآلهة "يهوه" لبني إسرائيل محوّلين الرب لتاجر عقارات يبيع الصكوك والسندات في بورصة التاريخ، أليس هذا بغريب؟ لكن الأغرب أن يذهب وزير خارجية إسرائيل "إيبان" حاملًا معه التوارة ليخاطب العالم العاقل على منصة الأمم المتحدة في أواخر الستينيات ليثبت من خلالها أحقية اليهود بأرض فلسطين قائلًا : "هذا هو قوشاننا في ملكية الأرض".
ثم تمر الأيام وتتوالى السنين ليأتي "آرثر بلفور" وزير الخارجية البريطاني في العام 1917م مستحضرًا التاريخ عبرة فوهة القوة ومنطقها ومتقمصًا بشخصية الرب تاجر العقارات ليمنح بدوره أرض فلسطين مرةً أخرى لليهود في وعدٍ ثاني، ثم تبعه "جيم غاويل" خاطًا عبارته الشهيرة التي تحولت لوعدٍ ثالث مقررًا فيها وببساطة منح اليهود أرض فلسطين مرةً أخرى حين قال : "فلسطين أرضٌ بلا شعب واليهود شعبٌ بلا أرض"، وكأن اليهود قبل ذلك سكنوا الفراغ ليأتي قادة الحركة الصهيونية بعدها ليتبنوا هذه المقولة أينما توجهوا محاولين تحويلها لحقيقة تاريخية.
وبعد مئة عام يستحيل الرب مرةً أخرى في أمريكي أبيض يُقيم دولته على جماجم شعبٍ كامل من الهنود الحمر ليأتي مرةً أخرى من حافة العالم حاملًا سلة مليئة بوعودٍ كثيرة ووعد بالاعتراف بالسيادة الإسرائلية على الجولان ثم بالمستوطنات والأغوار وليس أخيرًا وعدٌ أكبر بتطبيق صفقة التي عُرفت إعلاميًا بصفقة القرن ليكون الوعد الرابع وعد ترامب.

