في الذكرى الثانية عشر لرحيل حكيم الثورة د. جورج حبش مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وأمينها العام السابق وأحد أبرز القادة القوميين والوطنيين في الثورة الفلسطينية المعاصرة، نقف إجلالًا وإكبارًا لذكرى رجل استثنائي مناضلًا وقائدًا ومفكرًا لنجدد العهد والوفاء لذكرى رحيله ولكافة شهداء شعبنا المقاوم لأننا سنبقى على درب التحرير والعودة والاستقلال وعلى درب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية، إن هذه الذكرى تدعونا إلى التمحيص في معنى الوفاء والتفكير في مغزاه وتفتح الباب كذلك أمام احتواء الذات ومحاورتها في تقصيها للجوانب العملية المرتبطة بالجانب المعنوي المتألم من وقفة الوفاء كحالة تعبيرية تستهدف إثارة المشاعر، من هنا يجب أن يرتبط الوفاء بتنظمة عملية تتخذ شكل السلوك في التعبير عن الحالة الانفعالية ولأن كنا في حضرة ميراث ثقافي عريق وتجربة ثورية فذة تختصر ذاتها في شخص ورجل كبير فإن هذا السلوك يجب أن يكون ممارسة مستمرة واحتذاءً خلاقًا يجعل المحاكاة تتكيف مع الواقع ويجعل من عملية ملائمة الواقع مقدمة لاستنباط المستقبل، كذلك يصبح الوفاء إعادة إحياء بل وتجدد واستمرارية.
الوفاء للحكيم ليس مجرد استذكار نستدعي من خلاله وحدة حضور عابرة لتكون في الحقيقة استحضارًا مبتذلًا خاليًا من المعنى الحقيقي للوفاء، الوفاء هو استمرار الصدى مترددًا في كافة الأركان حتى لكأنه الصوت ذاته، هو قيمة تعيش فينا وتجسيد يعكس مدى التزامنا بالقواعد الأخلاقية التي تشكل أساس بناءنا على مستوى الشخصية الثورية المناضلة ويعكس كذلك مدى تمسكنا وتشبثنا بميراث نضالي زاخم يشكل موردًا نستقصي منه كي نستضيء ونمضي في درب النضال الطويل الشائك والمعقد لكل التداخلات.
إن الوفاء للشخص لا يكون بالتعصب له كشخص إنما يكون من خلال استلهام خصاله المعمدة بنيران التجربة ومقاصاة الظروف من خلال الولاء للأفكار والنهج السليم الذي يمثلها ولأنه كان الإرادة الصلبة التي تنتصب أمام احتمالات المساومة والتنازل لأنه كان الكلمة الواضحة في ضوضاء الكلام وهم يتشدقون بالحق ويقايضون عليه في سوء المفاهيم المستعارة لأنه كان الضمير الذي يحرص حدود الوطن ويتربى على مساحته كلها دون انتقاص لأنه كان الشرف الصارخ رفضًا وهم يتناسون جسد الضحية "القضية" خيانة، ولأنه كان ملامح الفقراء وتوق المشردين للعودة كان الحكيم ثائرًا زاهدًا بكل ما يحول بينه وبين تراب الوطن ومات ثائرًا حالما بالعودة.
وإذ كانت دعوات الحكيم في تمنية الروح النقدية الموضوعية في الحكم على الأمور بكونها تمثل أحد أركان الشخصية الجبهاوية، تشكّل وصية لنا نحن اللذين نسير على خطاه، فحري بنا أن نخوض في مجريات الأمور ونقيم المراجعات الجريئة التي تحلل الأوضاع والظروف دون محاكاة، والسعي الجاد نحو إيجاد الحلول المناسبة لكل ما يرتبط بواقعنا، فعلينا ألا نستكين من أمر الواقع وأن لا نلغي احتمالية التغيير وعلينا أن لا نيأس من إمكانية إحداث التغيير ولو بشيء بسيط في تكوينه، فهذا بحد ذاته سلبية وهذه السلبية هي تعبير من النقوص وعن النقوص والنهي الطائي عن إجراء المحاولة في حين أننا مطالبون على الدوام بحكم الموقع الاستثنائي في شروطه، وكذلك بحكم الدور الملقى على عاتق كل واحدٍ فينا أن يعمل على التفاف كل وسيلة تكفل لنا تطويعه بما يخدم وجودنا فيه ولو عبر جذبنا قليلًا على الواقع السياسي اليوم، فهو يزداد تعقيدًا حتى بات يقترب أكثر فأكثر من بؤرة تأزماته التي ببلوغها تسقط آخر أوراق التوت التي تدجر خلفها كل الادعاءات والرهانات السياسية الواهنة والمضللة، والتي ترى في عملية التفاوض والشروط التي تحكمها إمكانية للتوصل إلى حل نهائي للصراع مع العدو الصهيوني.
ونحن هنا لا نريد الدخول أكثر بتحليل مجريات العملية السياسية وما يمكن أن تفضي إليه من نتائج، لكننا نرى فيه مجال للتدليل عن الرؤية الصافية للحكيم، وفي تحديده لطبيعة الصراع مع العدو الصهيوني، إذ يرى فيه صراعًا مستمرًا وصيرورة تاريخية في مواجهة العدو، وبالتالي فإن هذا الفهم يدفع عمليًا إلى ضرورة إدارة الصراع بطريقة شمولية بصورة يتشابك فيها النضال التحرري القومي مع النضال الاجتماعي الديمقراطي، وهذا يعني وعي ديمقراطية كأداة للنهوض وقيم للسلوك والفكر والممارسة لتحرير المجتمع، الديمقراطية في حد ذاتها ليست هي الحل، إنما بوابة للحل أما الحل فهو قوة المجتمع ووحدته وحريته القادرة على تحديد الأهداف والطموحات والنضال من أجل تحقيقها.
فكم نفتقدك يا حكيمنا وكم نفتقد لحكمتك التي عجزت كل العقول عن إيجاد بديل لها أو ما يساويها من حكمة في إدارة الأزمات، والنهوض بواقع حركات التحرر الوطنية والقومية والعربية وحسم الخيار، ولكم نحن بحاجة لمثل هكذا حكمة في وقتنا الراهن في ظل كل التطورات السياسية على صعيد قضيتنا الفلسطينية والتوسع الصهيوني الآخذ في التمرد وسلب الحقوق.
لقد مثّل الحكيم روح التفاني والإيثار وأولية الوطن العام على الفئوي، والذات الخاص وروح الجماعة والتضامن الرفاقي المبدئي، والقيادة الجماعية والتجديد، فتخليه الطوعي عن منصب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في سابقة وطنية وقومية ومبادرة تربوية في إشاعة الديمقراطية، وإيمانه العميق بدور ومكانة المرأة في ضمان قضية شعبنا والتقدم في مسيرة الشعوب العربية، وأفنى حياته في سبيل مبادئه الإنسانية العظيمة، عاشت ذكرى رحيل الحكيم والمجد للشهداء.
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
منظمة فرع السجون - سجن نفحة
خلية المناضلة: نادية البرادلي

