بحث في مسألة القويات الكردية
التي تُطالب بدول مُستقلة في العراق وسوريا وتركيا
خاص مركز حنظلة
عموماً سنقوم بالرجوع الى الخلف بالتاريخ لمعرفة ماهية القوموجغرافية بشكل مبدئي، حيثُ أن كل قوم هم بالأساس يسكنون في قطاع جغرافي مُعين وتجمعهم لغة وعادات مُشتركة، فالغجر مثلاً لا نستطيع أن ندعي أو نجزم بأنهم قومية لانهم موزعين على عدد كبير من القطاعات الجغرافية في العالم وتحديداً قارة أوروبا ولكن لديهم اشكاليتان رئيسيتان في موضوع القومية وهما أولاً فقدان اللغة المُشتركة فلا يوجد بينهم لغة تجمعهم اسمها اللغة الغجرية، كما أنهم يفتقدون الى وحدة الأرض فلا يوجد لهم أرض أو إقليم والحق بالانتماء لطبقة جغرافية محددة فهم كالبدو الرُحل تجمعهم صفات بشكل ما ولكنهم لا ينتمون الى أرض أو بقعة هي مسقط رأسهم الذي يتوقون للعودة اليه.
ولو رجعنا بالتاريخ فإن جميع الحدود السياسية الحالية هي حدود شبه معدومة وكانت مجرد حدود إقليمية طبيعية تفصل القارات بالبداية ثم المُقاطعات الضخمة وبدأت الحدود السياسية تظهر في بدايات حقبة الاقطاعات والاقطاعيين، وكانت الدول العظمى وصاحبة الأقاليم الواسعة تضع يدها على هذه الأرضي جني الضرائب من مُلاك هذه الأراضي، ومن هنا نرى مثلاً أن بلد الوليد في اسبانيا هي أرض كانت في فترة من الفترات مُلكاً لشخص أو لعائلة واحدة.
لا يوجد مفهوم انساني حقيقي لمعادلة تقسيم حدود سياسياً فتقسيم الحدود والدول الى مقاطع وسكنات هي افرازات الحروب والأطماع الاقطاعية أولاً ومن ثم تطورت الى أطماع رأسمالية استعمارية ولا دخل للدين هنا في موضوع فتح الدول لا على صعيد الحروب (الصليبية ولا الإسلامية)، فكلها بالأساس تهدف وتصب في مصلحة التوسع الرأسمالي والأطماع الاستعمارية لوضع اليد على أكبر مساحة من الأرض من أجل التحكم بخيراتها ومُقدرات شعوبها، فقد كان قديماً هنالك قسمين من القبائل، قسم يقبل أن يحل عندهم أي قبيلة أو قادمين من بلاد أو مناطق أو أقاليم مُغايرة ويعيشون ويتعايشون سوياً فالأرض لمن يفلحها، وهذا منطلق انساني بسيط يُؤمن بتكافؤ الفرص في الحياة ومن يقدر على ندر نفسه فليعيش كما غيره، وهناك من يؤمن أنه يجب استعباد واحتلال القبائل الأُخرى واحتلال مواقع سكناهم وأقاليمهم وجعلهم يعملون كما العبيد، ومن هنا نشأت فكرة الاستعمار والغزو للبلاد الاُخرى فمنذ عشرات آلاف السنين والحروب قائمة على احتلال وغزو بلاد اُخرى لعدة أسباب وكانت في البداية من أجل توفير الأيدي العاملة، فقد كانت الممالك تغزو التجمعات السكانية الأضعف وتقوم بسبي جميع أهلها وتقتادهم للعمل في اقاليمها كالسبي البابلي مثلاً قبل الميلاد وسبي عبيد من افريقيا وارسالهم الى القارة الأمريكية الشمالية في القرنين الخامس والسادس عشر، وكانت ممالك وامبراطوريات أُخرى تعتمد وضع اليد ووضع مندوبين لها في الأراضي والبلاد التي تحتلها وبهذا توسع نفوذ وسيطرة أراضي دولتها وهناك الكثير من الأمثلة منذ الأزل كالفُرس والرومان والبابليون والاغريق والمغول والتتار، وإن عُدنا أكثر في التاريخ فالبابليون والكلدانيون والأشوريون والقائمة لا تنتهي.
ومن هنا من هذا المُنطلق فالحدود السياسية والدول المُقسمة هي فعلياً صنيعة الاستعمار والاحتلال والغزو ولا نُنكر هنا حق الشعوب في التواجد على أراضيها ولكن يجب أيضاً الأخذ بعين الاعتبار عدم الدعوة لتقسيم دولة ما من أجل استقلال قومية مُعينة هي بالأساس من أهل وسُكان هذه البلد ولنأخذ أكراد العراق وسوريا كمثل حي على القوميات، لا أحد يُنكر أن المسألة الكُردية بحاجة لحل حقيقي وأنهم في هذه الأيام يُعانون من الاضطهاد ولكن حل الأكراد في سوريا والعراق لا يتم بتقسيم سوريا والعراق الى دولتين شمالاً من أجل إقامة دولة للأكراد، حيثُ يكفي الأُمة العربية ما عانته من تقسيم للدول والحل الأمثل والأجدر أن يندمج الأكراد في مجتمعات الدول التي يعيشون بها، أليسوا عرباً؟ أليسوا على أراضي دولة ذات سيادة؟ فالأولى بالأكراد أن ينخرطوا بحياتهم الطبيعية مع أبناء جلدتهم السوري في سوريا والعراقي في العراق والتركي في تركيا، فهناك العديد من القوميات في البلدان العربية، ولو أرادت كل قومية أن تفسخ نفسها عن دولتها وتُقيم دولة خاصة بها لأصبح عدد الأقطار العربية خمسين قُطراً فالأمازيغ مثلاً هم قويمة ذات حضارة وعادات ولغة تجعهم إلا أنهم يعيشون حياتهم الطبيعية في بلدهم الجزائر والمغرب ومنخرطون في هذه الشعوب الذين هم جزء أصيل منه.
لذا وختاماً فإن اضطهاد أُمة أو قومية (مجازاً) ليس عذراً لها باللجوء لحلول هي بالأساس صنيعة الاستعمار وليس عُذراً لها أن تركب أكتاف الدول الاستعمارية الامبريالية لتحقيق غاياتها اليومية، وعلى كل قوم أو أمة أو شعب أن يُحاول تدعيم عمائد الدولة التي يعيش بها من أجل تمكينها وليس السعي لتجزيئها وشرذمتها بمفاهيم مغلوطة، ولنبدأ التخصص بالأكراد الآن فلطالما كانت المسألة الكُردية مسألة تشغل الرأي العام لما لها من أبعاد عدة منها السياسي ومنها الإنساني ومجازاً القومي.
ومنذ التقسيمات الجيوسياسية الاستعمارية التي قسمت الوطن العربي وبعض مناطق آسيا والطبيعة الديمغرافية وخلق بؤر قومية مثل الأكراد وكي وعيها بعدم وجود دولة لهم وخصوصاً عندما اختفت دولة أو بالأصح إقليم كردستان وتركمستان وشرقستان وغربها ضمن التقسيمة الاستعمارية وضرب فكرة أن الأكراد يجب أن تكون لهم دولة كسائر الدول كما أن المذابح والجرائم التركية التي حصلت في القرى الكردية وابادة بعضها التي يتجلى بالإعلام التحدث عنها عززت هذه الصفة القومية وأنه يجب أن تقوم دولة كردية في شمال سوريا وجنوب تركيا تمتد شرقاً حتى الشمال العراقي مُتجاوزة الفرات، وهنا برزت بعض المُنظمات التي كانت بدايتها أو في صورها الأولية مُنظمات يسارية مُقاتلة إضافة على الشعب الكردي الذي يتعرض للمذابح في الجنوب التركي مثل (حزب العمال الكُردستاني) كما أن تقوقع القومية الكردية على نفسها ورفضها الانخراط في المجتمعات التي تعيش فيها ودمج نفسها بشعوب دولها ورفضها غالبية حلول الحكم الذاتي على الأقل في أماكن تواجدها أدى الى النفور منها ومُعادتها من قبل هذه المُجتمعات مما أوجد فسحة للأيادي الامبريالية الاستعمارية أن تمتد موهمةً الأكراد أنها حليف لها وأنها تهتم بقضيتها العادلة وطبعاً كل همها منابع الغاز والنفط والحصول عليها فلا دعم ولا سلاح ولا تدريب بلا مُقابل هكذا عودنا الشيطان الأمريكي بإبنته إسرائيل، وللأسف بسطت القومية الكردية يديها الشيطان، مُعتقدةً بذلك منذ خمسينيات القرن بأنها الداعم المُنصف والحل الأمثل لها ناسية أو مُتناسية أنها جزء أصيل من البلدان والشعوب التي تعيش معها وبجوارها على نفس الأرض عندما وجدت بعض الدعم والسلاح بدء تشكيل هجمات على تركيا وسوريا والعراق ومُحاولة فرض حدود جغرافية تُسيطر عليها وللإنصاف في البداية كان الدكتاتور المُتعثمن يستحق ذلك وكان دفاعاً شريفاً عن النفس ثم بدأت تتضح خطوط اللعبة وخطورتها لماذا تركزت حماية أمريكا وإسرائيل حول آبار الغاز؟ ولماذا خلق النزاع على الإقليم الشمالي في العراق رغم أن صدام حسين أعطاهم الحُكم الذاتي طوعاً مما أدى لثورة غضب من وزير الدفاع العراقي وقتها علي الكيماوي وضرب الاكراد بغاز الخردل (ومن هنا تسميته بعلي الكيماوي) وحين رأى الأكراد هزيمة العراق تراجع بعد أن أُجبر النظام على أن يبطش بهم ويعاملهم مُعاملة الخائن خصوصاً أن ذلك حدث ابان الحرب العراقية، فبدلاً من الانخراط في الجيش العراقي والدفاع عن العراق تتم سرقة النفط والغاز بأيدي إسرائيلية أمريكية كردية والتضييق على الحكومة العراقية بدل الاصطفاف الى جانبها والحديث يطول في هذه النقطة وله تتفصيلاته.
ولا يهمنا هنا سوى القول أن التقسيمات الجغرافية والحدود الجيو سياسية هي بالأساس صنيعة استعمارية فقد كانت بداية المنطقة هي بلاد الرافدين وسوريا القديمة والحديثة (بلاد الشام) والمملكة العثمانية التي كانت تُسيطر وتحكم هذه الأقاليم والمناطق، وكان الأكراد العرب والأكراد التركيين والعراقيين والدروز والمسيحيين والعرب وحتى قبائل من الغجر تعيش ضمن هذا الحُكم وهذه الدولة.
إذاً فإن كي الوعي الكردي أدى لإغفال أنهم بالأساس سُكان هذه البلاد جنباً إلى جنب مع باقي القبائل والقوميات والشُعوب ودفعهم للمُطالبة بدولة لهم مُستقلة رغم أن حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار أيضاً في سوريا أعطائهم حكماً ذاتياً إلا أن الأكراد فضلوا أن يتماشوا مع الاستعمار وتقسيم الأرض، وهذا ما لم يحصل فأي دولة في العالم ترفض أن تُقسم وتُفتت أراضيها والأولى بالأكراد الاندماج مع أهلهم والشعوب في بلدهم سوريا والعراق وتركيا بدلاً من زيادة الضغط عليهم.
ففي القرن الحالي بدأت المسألة الكُرية تأخُذ أبعاداً أُخرى فزادت المليشيات وأصبح هنالك مليشيات تدعم الأتراك ومليشيات تأخُذ دعمها من أمريكا وإسرائيل والكل يعلم القاعدة الأمريكية الإسرائيلية التي بقيت حتى عام 2019 في الشمال السوري في قلب الإقليم الكردي، والكل أصبح يعلم سرقة النفط والغاز من الحقول السورية في الشمال بحماية أمريكية إسرائيلية وكل ذلك مقابل دعم امريكي بالسلاح والخبرات لا يُغني ولا يُسمن من جوع بل على العكس يؤدي الى نهب الخيرات السورية والعراقية مُقابل رمي أسلحة قديمة في يد الأكراد وغيرهم من الجماعات المُعارضة التي باتت تملأ الشمال السوري والجنوب التركي ليأتي أردوغان مُتذرعاً بالهجمات الكُردية على الجنوب التركي مُحاولاً احتلال شمال سوريا وعمل خط فاصل بين تركيا وسوريا على عُمق 30 كيلو متر وهذا ما لم يحصُل ولن يحصل بسبب الصحوة السورية وتقدم الجيش العربي السوري الى الشمال الحسكة ورأس العين وباقي القرى الحدودية وحماية حدوده الشمالية مُطراً الجيش التركي التمركز خارج الأراضي السورية ودافعاً الأكراد، وللإنصاف المُنظمات المُسلحة الكردية الاعتراف بالسيادة للجيش السوري، وطأطأت الرأس خصوصاً بعدما تخلى عنها ترامب وسحب قواته العسكرية بتجاه الشمال العراقي تاركاً حُلفائه الأكراد لوحدهم ناكثاً وعده لهم كعادته بحمايتهم والقوات الوحيدة التي أبقاها في سوريا على منابع الغاز بأقصى الشمال ليُكمل سرقته لها وهذا لن يطول، ولا أحد يُنكر أن المسألة الكُردية (القومية الكردية) بحاجة لحل وأنها أصبحت مُعضلة تُؤرق مناطق الشمال السوري والعراقي وأن الخاسر الوحيد هو الشعب الكردي البسيط ودولته التي هي سوريا والعراق وليست الدولة (الكردية المزعومة).
لقد آن الأوان للأكراد أن يستيقظوا من سُباتهم وأن يفتحوا أعينهم ويعو أنهم جزء أصيل من الشعب السوري والعراقي ويبدأوا بالانخراط من جديد معه، فاللعبة السياسية الامبريالية الاستعمارية واضحة وضوح الشمس وهي تسعى الى تعميق الفجوة بين النظام السوري والعراقي وبين القومية الكردية من أجل تجارتها السوداء ومن أجل نفط وغاز بلاد الشام والرافدين.
أما بما يخص أردوغان وسعيه وحلمه اللاهي، فيجب أن يُجابه من خلال صده من قبل جيش عربي سوري مُوحد في الشمال بكل طوائفه ضاماً الأكراد الى صفه، وهكذا فقط تتم تسوية مسألة القومية الكردية بإنصاف وبأقل الخسائر على الصعيد الإنساني والدُولي السياسي، وللأكراد العبرة بالأمازيغ الذين يعيشون جنباً الى جنب مع باقي القوميات الشعوب الجزائرية والمغربية مُنخرطين في جميع أدواته المُجتمعية والدولة مؤمنة بأنها جزء أصيل من هذه الشعوب همها همهم وهدفها هدفهم وعاداتها وتراثها التي تعتز به ولا يُنكره عليها أحد.
هذه هي وجهة نظر مُقدم البحث وليست بالضرورة وجهة نظر الناشر.

