أن تكتب عن شهيدٍ في هذا الزمان يعني أن تضيء شمعةً، يعني أن تتحدث عن قيم لحمًا ودمًا، يعني أنك تحاول أن تقول ما نحتاجه الآن أي الرجال وأي معدن وأي قيم ومفاهيم يعني أن تحاول الانتصار على كل عوامل الهزيمة المحيطة والمحبطة يعني أن تساهم بصياغة أمل يعني أن توجه سهم الانتقاد لهذا الواقع ومركباته يعني أن تشير مرة أخرى إلى النموذج الحي على الأرض فهو لا يموت، قوة المثال حاضرة أبدًا، تحمل اسمًا وقسمات وحياة والموت لا يجعلها من الماضي ولا يغيبها بل تبقى.
أحاول اليوم وفي ذكرى استشهاد القائد البطل "فادي حنيني" والقائد البطل "جبريل عواد" أن أُشير لا إلى ذاتية ومسيرة بل إلى قيم ومفاهيم جسداها عبر هذه المسيرة والسيرة، لا بخطة الاستشهاد وحسب رغم ما تعبر عنه من حسم واستعدادية وتضحية ورسماً للدرب بالدماء والنار ووفاءً وإخلاصًا بأن تحسم خيارك الثوري عبر ممارسة أرقى أشكاله "الكفاح المسلح" منذ اللحظة الأولى لاندلاع انتفاضة الأقصى وقبلها، فإن هذا الحسم يعبر عن منظومة قيمية عن مفاهيم تُجسّد بالممارسة فهذا الحسم يعني بشكل ملموس مبادرة ما تتطلبه الذات ومواجهة ثقافة "الأنا أولًا"، يعني أنك كمناضل تواجه استحقاق حتمي من أسرٍ أو استشهاد، استحقاق حتمي من هجر لأحلام كانت يومًا تداعب مخيلتك من تعليمٍ واستقرار وعمل وتكوينٍ للذات فهذا السياق لا يستقيم ووجود الاحتلال.
إن فادي وجبريل كانا سيدا الحسم الثوري للخيارات من ملاحقة تعرضا لها على مدار سنوات على يد قوات الاحتلال الصهيوني إلى فعل نضالي يومي يشهد له القاصي والداني، إنهما يمثلان النموذج الثوري الحقيقي لكل مناضل من تمثيلٍ للقيم وتعبيرًا بممارستها عن الانتماء الوطني فهذا النموذج الثوري نحتاجه اليوم، فادي وجبريل ويامن فرج وأمجد مليطات وربحي حداد ورائد نزال ونضال سلامة وبشار حنني واسامة بشكار ومئات الأسماء التي حملت تجربة.
في هذا اليوم تحتاج كل مناضلة ومناضل إلى أن يستخلصوا من هذه التجارب منارات ما نحتاجه وما يستدعي واقعنا اليوم، إنه يتطلب المواجهة لا الهروب ويستعدي التحدي لا التعايش، انه يتطلب أن نرى تجربة فادي وجبريل كما هي وما مثلت من تحدي ومواجهة وحسمٍ للخيار.

