ادخل كلمات البحث ...

مثال: الاسير المحرر ...

الأسير الصحفي الرفيق منذر خلف مفلح من قلب زنزانته يكتب

فيزياء السجن في معنى الأسر "الزمان والمكان" على هامش الحرية، بقلم الأسير الصحفي منذر مفلح

فيزياء السجن في معنى الأسر "الزمان والمكان" على هامش الحرية - خاص مركز حنظلة.

- المعنى الزماني للأسر:-

زمن الأسر : هو مفهوم فردي يخضع له الأسير الفرد ومفهوم جماعي يشمل كافة الأسرى.
بطبيعة الحال الزمن الفردي ممل، بطيء وقاتل يخنق الأسير ويقتله بالمعنى المادي والمعنوي، إلا من كان ذو عزيمة فيحوله لزمن مثمر وهناك خيارات لذلك: 

عدد من الأسرى يحوزون ثقافة واسعة جداً، آخرون يحوزون على مستوى أكاديمي "دراسات عليا" هدريم مثالًا ، وآخرين يحوزون على رأس مال اجتماعي واسع ومتنوع وكذلك خبرات مختلفة.
فالسجن هو محك لاختبار معادن النساء والرجال في زمن الرمادي الصعب التأويل، وعلى ذلك فإما يكون الزمن عقاب، وإما إنجاز.

أما الزمن الجماعي، فهو مأساة "تنعكس المفاهيم في السجن" فالفردية بكل الأحوال تعبر عن مأساة، كأن يفقد أسيرًا 40 عامًا من مجمل سنوات حياته الخمسين أو الستين، أو يستشهد، ولكنها تضحية وطنية، فالمقابلة بين المأساة الفردية والبطولة تنتصر البطولة، تنتصر البطولة وكبرياء الأسير.

في المقابل الزمن الجماعي مأساة وطنية كبرى، لا تخص أسير بعينه أو حالة فردية بذاتها بل تخص الوطن كله.

ففي المتوسط العام يخضع في السجون الصهيونية خمسة آلاف أسير، يتم التعاطي مع الرقم ككتلة صلبة، أو مبهمة، فدراسات الحركة الأسيرة معدومة، الدراسات التي تفحص وتبين ماهية هذه الحركة ومن هم الأسرى وكيفية تأثير السجن، حركتهم السياسية والاجتماعية، نشاطهم السياسي والثقافي والعلمي، مستوياتهم الأكاديمية والسياسية والعلمية... إلخ، وإن وجدت فهي في الإطار السطحي.

نعود للزمن فهو مأساة وطنية حقيقية فكل عام أسر يعني ضياع 5000 عام جهد وطاقة على الشعب الفلسطيني بمعنى 50 قرن من الجهد الضائع في الاقتصاد والسياسة والثقافة، الفكر والمجتمع، والأسرة إلخ..، والإحصائيات تشير إلى مليون حالة اعتقال فقط من العام 1967.

لقد قُدّر لدراسة اقتصادية أن تستخلص القيمة الاقتصادية المالية المهدورة "فقط "من هذه ال50 قرن المهدورة، لتأكدت المأساة الوطنية، ولا أقول أن فقط القيمة الاقتصادية هي المأساة بل القيمة الاجتماعية والثورية والإنسانية..إلخ.

وهو ما يؤسس لملف تعويض عن الجهد المهدور خلف القضبان ولمحاكمة إسرائيل على جرائمها بسبب عدم تطبيق الاتفاقيات الدولية.

- المعنى المكاني للأسر : -
               المكان من ناحية فيزيائية هو حيز مادي معطى موضوعيًا، له أبعاد محددة، ويأخذ شكله من هذه الأبعاد.
وهنالك تعريفات للمكان تتعلق بارتباطه بالذاكرة، والتعريف الوجودي المرتبط بالمكان والزمان..إلخ.

فالمكان هو السجن، وقد عرّفه مفكرين اجتماعيين في أطر مختلفة،  فوكو : مكان انبظاطي مركزي صارم، ومكان لإعادة تنميط الفرد، أو مكان لتحديد الإجراءات العقابية، وسيكون عليه الفرد، وما يمكن أن يكون عليه.

ومنهم من حدده باعتباره صورة بصرية مثل "اوجدمي  بنتام" الذي حدده باعتباره مؤسسة تأديبية واستمرار لحالة العقاب، وأيضًا "دولوزو" الذي عرفه مؤسسة من مؤسسات الإكراه والعقاب..إلخ من تاريخ تعريفات علماء السلوك والاجتماع والتي تعتبره كالمستشفى والمصح والعيادة.

والذي تختص به هذه المقالة تحديد الأبعاد الفيزيائية للسجن، أو الحيز الفيزيائي بناءً على اعتبار السجن مكان له حيز وأبعاد محددة.

حيث أن العلوم الطبيعية، أكدت على معيارية المقاييس "النسبية" باعتبارها معايير يتم الإجماع بخصوصها، وأصبحت مقاييس النسبية معتمدة، فالمتر: هو وحدة قياس معيارية متفق عليها لجعل الأبعاد والعلوم الفيزيائية منطقية وقابلة للقياس والدراسة، وما ينطبق على المتر ينطبق على كافة المقاييس بالمعنى الفيزيائي "كيلومتر وغيره".

ما هو معنى القوانين الثلاث التالية في السجن :-
المسافة = السرعة*الزمن
السرعة = المسافة /الزمن
الزمن = المسافة /السرعة

ملاحظة: الزمن هو شكل من أشكال المادة، فلا يمكن قياس الزمن دون وجود مادة ملموسة نحيل الزمن إليها، بمعنى: ما هو عمر الإنسان الفرد، وغير ذلك من الأسئلة المتعلقة بالزمن، لا يمكن قياسها دون مادة موجودة أصلاً.
كافتراض عدد السنوات التي قضاها أسير في السجن، عدد السنوات هنا "الزمن" مرتبط بوجود الأسير كمادة، والسجن كحيز مكاني...إلخ.

المعنى المفترض لهذه المقالة، أن القوانين الفيزيائية معطلة وملغاة في السجن.
فالإحساس بالمكان شبه معدوم، وتاليًا الزمن بلا قيمة تُذكر، وبتجليس القوانين الواردة آنفة الذكر.
إن أبعاد الزنزانة هي بأحسن الأحوال (30-40) متر٢ بمعنى :
(3*8)م أو (4*10)م.

بافتراض أن سرعة الأسير معطى محدد مفترضين أنها (2-3)كم/س، ومفترضين أن السجن يتكون من عدد من الزنازين والأقسام يساوي في أحسن الأحوال (1-2)كم، ثم احسب المدى الزمني الفيزيائي للحرية ؟ او احسب المدة الزمنية التي يحتاجها الأسير للخروج من بوابة السجن، أو قطع المسافة ما بين داخل السجن وخارجه، أو لقطع المسافة خارج الجدران...إلخ.

كل الإجابات المفترضة في الواقع الطبيعي تضمن الإجماع على المقياس المعياري وتتعطل في السجن، وعلى ذلك ينهار المعنى الفيزيائي ولا يمكن مثلًا من ناحية فيزيائية أو علمية بحسب معيارية المقاييس اعتباره مكان.

هنالك حالات علمية يمكنها تغطية معيارية السجن، فالسجن مطابق تمامًا لمفهوم الثقوب السوداء التي تظهر في الفضاء، وتكون غير معلومة أو غير معرفة فيزيائيًا، والتي قيل عنها انها تبتلع الأجسام والأجرام السماوية تمامًا كما يفعل السجن في ابتلاع أعمار وأجسام الأسرى وطاقاتهم التي تساوي 500 عام جهد، لكل عام أسر لخمسة آلاف أسير.

بهذا المعنى السجن هو ثقب أسود في فضاء الحرية، واستمرار الاعتقال لعشرات السنوات هو نقطة سوداء في ملف الإنساني.

بقلم الأسير الصحفي: منذر مفلح.