ادخل كلمات البحث ...

مثال: الاسير المحرر ...

الأسير القائد الرفيق محمد الريماوي أبو أماني يكتب من زنزانته

التغيرات الإقليمية وأثرها على القضية الفلسطينية فما هو الدور والمطلوب من الجبهة الشعبية

خاص مركز حنظلة

يشهد المسرح السياسي في منطقة الشرق الأوسط حالة من التشرذم السياسي وبشكل خاص في الدول العربية التي تمر بحالة من الصراع الدامي بعد احتواء الربيع العربي من قِبل الامبريالية العالمية وحلفائها المتمثلين بالبرجوازية الكولونيالية، لِذا يتوجب علينا طرح سؤال "من المستفيد من هذه الحالة؟".

إن الرأسمال العالمي يعمل بكل جهد على تجديد البرجوازية الكولونيالية المُسيطرة في الدول العربية "مصر، سوريا، العراق.. إلخ" نتيجةً لعملية التصادق لفرض الهيمنة على هذه المنطقة وإعادة تقسيمها من جديد "المركز والمحيط"، ولا يمكن اعتبار هذا التصادق والذي لم وليداً لهذه اللحظة إلا نهجاً استراتيجي اتبعته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية للسيطرة على ثروات المنطقة وهو نابع "النفط"، ولفرض قواعد أساسية تتمثل في كونها "المركز" وكون حلفائها اليابان والدول الغربية، وازاحة الاتحاد السوفيتي الذي ينافسها معتبرةً السعودية حليفاً استراتيجياً لرعاية مصالحها ونُفوذها، ولأنها تُدرك حالة عدم الاستقرار في المنطقة كان لابد أن تبحث عن حليف استراتيجي نيابةً عنها ويصون مصالحها، وتعتبر إسرائيل هي الحليف الاستراتيجي فقبِل الكيان الصهيوني بلعب دور الدولة الوظيفية في المنطقة.

وبعد استعادة روسيا عافيتها الاقتصادية والسياسية كان لابد من إعادة ترتيب قواعد اللعبة السياسية وإظهار قوتها العسكرية المتفوقة لإيجاد موطئ قدم لقواعدها العسكرية في حوض البحر الأبيض المتوسط، مُستغلةً حالة الفوضى والصراع الدموي في المنطقة ليبدأ الصراع بين الدول الامبريالية من جديد والتي عملت على تغذية هذا الصراع الدموي بذريعة محاربة الإرهاب ولتصدير أزمتها الاقتصادية بالشكل الذي يُبرر العامل السياسي لمظهر استخدام القوة العسكرية وتوظيف أيديولوجيتها لتبرير هذا العدوان والتدخل في شؤون الدول العربية، وإنتاج مفاهيم محاربة الإرهاب وتحديد المعسكرات الموالية والمعادية واجراء عملية الاطلاع في الأنظمة العربية الرجعية لتحول هذه الساحات لنقطة ارتكاز تتقاسم النفوذ لحلفائها، ويتشكل حلف بغداد الثاني المسمى بـ"التحالف السني" مستندةً الى القوات العربية المشتركة والذي يُشارك فيه الكيان الصهيوني كعنصر أساسي، حيث شارك في المعركة التي تدور بين النظام والحوثيين في اليمن، والتعاون العسكري والاستخباراتي في سيناء لمواجهة الجماعات الإسلامية المتطرفة وأيضاً استطاع الكيان الصهيوني أن يُشكل قاعدة استخباراتية وقيادة عسكرية شمال سوريا.

ومقابل هذا التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة أقامت روسيا حلف "أورسيا" والذي يتكون من روسيا والصين وإيران ودعت تركيا للانضمام اليه لتضارب مصالحها مع حليفتها الولايات المتحدة التي تدعم وتُسلح الأكراد شمال سوريا، وللاستعراضات العسكرية بين الطرفين كان لا بد من اجراء التجارب واختبار الأسلحة المتطورة على الساحة العراقية والسورية بذريعة قصف قواعد الإرهاب للدولة الإسلامية وقصف القوات السورية بحجة استخدامها للأسلحة الكيماوية.

وبنفس المسار اتبعت هذه الدول الامبريالية خطة استراتيجية لضرب المنظومة الفكرية بهدف كي الوعي السياسي للقيادة الفلسطينية لتحضيرها واعدادها لمشاريع تصفية القضية الفلسطينية، وتم توزيع الأدوار حيث طلب من الأنظمة العربية الرجعية أنتلعب دوراً أساسياً بعملية كي الوعي السياسي للقيادة الفلسطينية وتغير المفاهيم في المنظومة الفكرية للمشروع الوطني الفلسطيني منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، ونظراً لحالة الترهل التي وصلت اليها الأنظمة العربية ولأن العرب بلا مشرع ومتساوقون وراء المشروع الأمريكي الإسرائيلي نظراً لاعتبار بعضهم أن الخطر الإيراني هو الخطر الأساسي، والذي يمتلك الأخير مشروع سياسي بدأ التسابق لإجراء عملية التطبيع والاحتلال الصهيوني على كافة الأصعدة وازاحة القضية الفلسطينية من أولويتها واعتبارها قضية ثانوية.

وهذا ما عُبر عنه من قِبل بعض الدول العربية خلال تصنيفها لحركات المقاومة على أنها حركات إرهابية، وهنا يتوجب علينا طرح الأسئلة التالية/ كيف يتم كي الوعي السياسي للقيادة السياسية الفلسطينية؟ وما هي المشاريع التصفوية لحل القضية الفلسطينية؟ وما هو المطلوب من الفصائل اليسارية وبالأخص الجبهة الشعبية للتصدي لهذا المشروع؟

منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بدأت الدول العربية وعلى رأسها النظام السعودي بإغراقها بالمال ودعم فتح لتسيطر على المنظمة من قِبل مصر والسعودية وسوريا خوفاً عن الخروج عن السياق المرسوم لها، فبدأت منظمة التحرير الفلسطيني ككيان سياسي بمفهوم دولة، فشكلت السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وبنت السجون وغيرها، ولأن الأنظمة العربية تفصل الشرعية مع بقائها في السلطة لمدة زمنية طويلة كان لا بد من إيجاد أيديولوجية تخدم الشريحة المسيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية لتبدأ هذه الشريحة بتحويل الخلافات الى انشقاقات داخل الأحزاب المنطوية تحت اطار هذه المنظمة لضمان حالة التفرد في القرار السياسي وتغير الولاء من الولاء الوطني الى الولاء الشخصي، ولإبقاء هذه المؤسسة صلاحيتها في اتخاذ القرار كان لابد من اجراء تعينات ترتبط مصالحها بالهيئة القيادية وعلى أساس الفردية والشلالية والقرابة العائلية.

وتجلت هذه الأيديولوجية بخدمة القوى الامبريالية والاستعمارية في كي الوعي الفلسطيني بتفكيك المنظومة الفكرة التي أوصلت القيادة الفلسطينية المتنفذة الى طريق مجهول حول الأهداف الفلسطينية، وهذه التحولات الفكرية برزت في مفاهيم المشروع الوطني الفلسطيني عندما تم تحويل مفهوم الصراع مع الاحتلال الصهيوني من مفهوم الصراع ضد الكولونيالية الاستعمارية الى صراع قومي ليبرز مفهوم الحل المرحلي "حل الدولتين" يتفق عليه الفلسطينيون والإسرائيليون في بنائه على المساواة والأمن الاجتماعي، ورغم تناقض هذا المفهوم مع النقاط العشرة التي تنص على استكمال تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني كان حل الدوليتين يترافق مع تنازلات عن القدس والاستيطان والحدود الآمنة، ومنذ تلك اللحظة التاريخية وحتى اليوم شاب غموض متزايد لأهداف الحركة الفلسطينية والخطاب السياسي أو الوعي النُخبوي وأيضاً الوعي الجماهيري لمثل هذه المفاهيم.

واليوم لم يعد لدى الفلسطينيين برنامج وطني يُمكن الشعب في مختلف تجمعاته من الالتفاف حوله والتضحية في سبيله سواءً في الضفة أو غزة وتقسيم الهوية الفلسطينية بعد ظهور الحركات الإسلامية السياسية لتُصبح هوية إسلامية وهوية وطنية، وفي أواسط تسعينيات القرن المنصرم بعد طرح التجمع الوطني الديمقراطي والذي طالب إسرائيل بالتحول الى دولة لكل مواطنيها بدأ التحدي لدى القيادة الإسرائيلية لهذا الطرح للمطالبة بالاعتراف بها دولة يهودية، وينهي هذا الطرح القيادة الإسرائيلية يميناً ويساراً بالقبول بحل الدولتين وعلى هذا الأساس بدأ تشكيل الوعي الفلسطيني الجديد، وهذا ما أكده تصريح المفاوض الفلسطيني عام 2012 بأن الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة هي فلسطين وما عدا ذلك هو إسرائيلي للأبد، وبدأ الطرح لحل قضية العودة من خلال وجود حلول إبداعية، وكان تصريح المفاوض الفلسطيني أنه منتقد وأنه لا يريد العودة فهو يعتبر ذلك اسقاط لهذا المبدأ.

وبلقاء سري بين وزير الخارجية الأمريكي "كيري" والرئيس المصري "السيسي" والملك الأردني "عبد الله" في الأردن تم وضع ستة نقاط لحل القضية الفلسطينية تأخذ بعين الاعتبار أمن إسرائيل والاعتراف بيهودية الدولة، وتم المصادقة من قِبل نتنياهو والمفاوض الفلسطيني، وما أوقف هذا المشروع خوف نتنياهو من سقوط حكومته نظراً للطابع اليميني المتطرف، وبعد وصول تراب الى الرئاسة الأمريكية واجه عدة قضايا سياسية صعبة منها كوريا الشمالية والقضية السورية واسقاط النظام الذي تدعمه روسيا والتوسع الصيني والقضية الفلسطينية، ولأن القضية الفلسطينية هي الأصعب ولا يوجد لها تأثير مباشر على مصالح أمريكا إذن لا بد من خرق سياسي لحل هذه القضية وإبراز نجاحات تضمن الانتصار والاستقرار السياسي، لِذا بدأ باعداد صفقة عقارية تبادلية في المنطقة العربية وللقضية الفلسطينية، ولتحقيق هذا المشروع لابد من عقد مؤتمر إقليمي تحضره إسرائيل ومصر والأردن ودول الخليج، وتعتمد الإدارة الأمريكية على حل إقليمي ومبادرة للسلام مع العرب، وإعطاء الأولوية لتطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل ووقف التحريض الإعلامي والمناهج التعليمية وعدم انتقاد إسرائيل للتوسع الاستعماري وضم الأراضي الفلسطينية وتشكيل لجان أمنية اقتصادية وسياسية، وفي حال مواجهة أية صعوبة في جدول أعمال أية لجنة لا يكون له تأثير على اللجان الأُخرى.

وطُلِبَ من "أبو مازن" تقديم تنازلات كحسن نية لإسرائيل مثل عدم الاحتجاج على الاستيطان وقطع رواتب أهالي الأسرى والشهداء الفلسطينيين الذين تعتبرهم أمريكا وإسرائيل إرهابيين وحدود الدور الوظيفي للسلطة، وحفظ أمن إسرائيل وابداء استعداده للموافقة على وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية المتمثلة باستمرار السيطرة الإسرائيلية الشاملة وضم معظم أراضي الضفة الغربية وحكم ذاتي في معازل مُقطعة الأوصال ترتبط أولاً مع الأردن، وكيان ذاتي لا يرتقي الى دولة في غزة يرتبط أولاً بعلاقات مع مصر والبدء بترويض حركة حماس لتحويلها الى حركة سياسية مقابل رفع اسمها من قائمة الإرهاب، ونظراً للحصار المفروض على غزة تم طرح خيارين على حماس، قبول الدعم الإيراني التركي القطري ورفع الحصار المفروض عليها وجرها الى حرب مع إسرائيل لإضعاف بنيتها العسكرية ورافق ذلك الإجراءات التي اتخذها أبو مازن ضد القطاع، أو القبول بمعسكر مصر السعودية ودول الاعتدال و المصالحة مع دحلان الذي يتم اعداده كشخصية وطنية منقذة لتعمل على توحيد الشعب الفلسطيني، وهذا يندرج بالتسوية وتحويل حركة حماس لحركة غزة مقابل كيان سياسي مُستقل لا يرقى لدولة في غزة وترتبط مع مصر على الصعيد الأمني، مُقابل ذلك فك الحصار بحيث يكون تابعاً أمنياً له، ونُسجل عدم الموافقة على صفقة العار وهذا الموقف التاريخي لأبو مازن لإدراكه أن الإصرار الأمريكي على عدم إقامة الدولة الفلسطينية كأساس للمفاوضات، وأيضاً تحطيم أمل الشعب الفلسطيني بإقامة دولته وتحقيق الاستقلال وإبقاء حالة انقسام الشعب الفلسطيني على حلقات أساسية ثلاث، الضفة لها كيان سياسي وغزة لها كيان سياسي وبروز كيانين سياسيين في فلسطين يتم التعامل معهما من الدول المانحة ويتم توزيع المنح والتأييد السياسي لهما.

أما الحلقة الثالثة "فلسطين الداخل المُحتل" فيترك لهم إيجاد الوسائل اللازمة لتقرير مصيرهم، والنتيجة لذلك ما هو المطلوب من الجبهة الشعبية في ظل هذه التغيرات؟

أولاً/ إعداد مشروع وطني للشعب الفلسطيني يضمن التواصل بين أجزاء الوطن والعمل على بناء هوية فلسطينية مرتكزة على التجربة الفلسطينية وذاكرتها "النكبة والتهجير وفقدان الوطن" ويُعمل على منع الخلاف على مفهوم اختلاف الهويات مستندة على مشروع فلسطيني شامل بمشاركة جميع التجمعات الفلسطينية كلٌ في موقعه.

ثانياً/ تفعيل قيادة فلسطينية شاملة تعمل على إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وتضم تحت لوائها مشروع وطني أو ميثاق وطني جديد وبتركيبة جديدة تشمل أجزاء الشعب الفلسطيني كافة، ورغم التحفظ على عملية اصلاح منظمة التحرير الفلسطينية ولكن اذا ما تم إصلاحها نستطيع الانطلاق بها كمنظمة أو مؤسسة مُعترف بها دولياً، أما بوضعها الحالي على الجبهة الشعبية التفكير ملياً في شرعيتها وعليها مناقشة حسم العلاقة كاملة بينها وبين منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، وبعد الإجابة على قدرة الجبهة الشعبية على اصلاح المسار السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

ثالثاً/ ليس من الضروري تشكيل مجلس تأسيسي لتجنب الإشكاليات مع المجلس الوطني الفلسطيني، وحسب ما أشار موقف الجبهة تشكيل المجلس قبل قيام دولة فلسطينية لا معنى له فعلياً لأن فلسطين أرض الفلسطينيين بمعزل عن الديانة والعرق واللون.

رابعاً/ بما أن الممارسة السياسية ليست تحديد التناقض السياسي وماهيته خوفاً من الارتداد السياسي والغوص في المفاهيم الأيديولوجية المتجددة في وعي القيادة الفلسطينية المهيمنة، والتماهي مع الوعي النخبوي المنحدر، وحسب ما أشار ماركس "الأيديولوجيا انعكاس قوة للواقع" بمعنى وعي ذلك لأنها تخدم طبقة ما ورؤيتها وينفصل عن أساسها المادي.

خامساً/ يجب على الجبهة ممارسة السياسية بشكل عملي لتعريف المفاهيم المُشوه التي تم ترسيخها في الوعي الاجتماعي عن طبيعة الصراع مع الاحتلال الصهيوني، وتقديم الصورة الحقيقية لخطورة هذه المفاهيم وانعكاسها على الصراع مع الاحتلال، لأن الصراع هو صراع ضد الكولونيالية الاستعمارية أما مبدأ المرحلية كأساس للنضال الوطني يعني أن الجبهة الشعبية ليست مع حل الدولتين لسبب بسيط وهو أنها ضد إقامة دولة لمستعمر على أرض فلسطين وهذا حل غير منطقي، وانها مع إقامة الدولة الفلسطينية والعودة وتقرير المصير حسب استراتيجيتها ورؤيتها ورفض أوسلو لأنه يجعل إدارة الصراع الفلسطيني الصهيوني بيد أمريكا وإسرائيل.

سادساً/ يجب أن تُكثف الجبهة الشعبية جهودها تجاه انجاز وحدة فلسطينية على قاعدة مواجهة الاحتلال وبروز كيانين منفصلين في الضفة وغزة أو فدرالية أو كونفدرالية مع الأردن.

سابعاً/ تحريك القوى والأطراف الحريصة على الوحدة الفلسطينية الوطنية للضغط على طرفي الانقسام ووقف التدهور الذي سيُأدي الى كارثة صراع ذاتي.