الأخبار » مقالات

الأسير كميل أبو حنيش يكتب.. تهافت التنابلة

03 تشرين الثاني / نوفمبر 2018

Whatsapp

خاص مركز حنظلة للأسرى والمحررين

لم نفاجأ بزيارة نتنياهو إلى عُمان، كما أننا لن نفاجأ مستقبلاً في حال زيارته لدبي، أو البحرين، أو قطر ، أو الرياض، أو حتى مكة، أو أي مكانٍ آخر في عالمنا العربي، لأننا ببساطة نعيش مرحلة الانحطاط العربي في أسوأ حالاتها، وربما شهدنا في الماضي إرهاصات هذا الانحطاط الذي بدأ مبكراً منذ نشوء الحركة الصهيونية، والعلاقات التي أنشأها الشريف حسين وأبناؤه مع الحركة الصهيونية، ولاحقاً مع دولة الكيان الصهيوني. أما فأصول هذه العلاقات العالمية فقد بدأت مع تهافت السادات وزيارته العلنية للقدس عام ١٩٧٧، وما أثمرته هذه الزيارة فيما بعد من توقيع لاتفاقيات كامب ديفيد التي مهدت الطريق لمشروع التسوية في المنطقة، بدءً من مدريد وأوسلو ووادي عربة، وما أعقبهما من تهافت عدد من الأنظمة العربية وهرولتها لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، كالإمارات، وقطر، والسعودية، والبحرين، وعُمان، وتونس، والمغرب، وموريتانيا، حيث سمحت هذه العلاقات للدولة العبرية أن تحقق أهم إنجازاتها وقدراتها في اختراق الجبهة العربية ووعيها، وتجسدت هذه العلاقات بأبعاد مختلفة: سياسية، دبلوماسية، وأمنية، وعسكرية، واقتصادية، وثقافية، وافتتاح مُمثليات، وسفارات، ومكاتب تجارية، في عدد من عواصم هذه الدول.

وإذا تظاهرنا بالتغابي والتماس العذر لهذه الأنظمة بأنها خضعت للتسوية وما سمي بمشروع السلام في المنطقة، وضمان الاستراتيجية الوهمية التي انعقدت عليه، فإن ما ارتكبته "إسرائيل" من حروب وممارسات عدوانية في السنوات الأخيرة، قد كشفت بوجه قاطع الوجه الحقيقي لدولة الكيان ورؤيتها للسلام، وكان من المفترض أن يدفع هذه الأنظمة إلى إعادة حساباتها وعدم الاندفاع والتهافت، فمنذ بدايات القرن الحالي أظهرت الدولة العبرية عدوانيتها ضد الشعب الفلسطيني، وارتكبت المذابح أثناء الانتفاضة الثانية، وشنت حرباً مدمرة على لبنان عام ٢٠٠٦ ، وحاصرت قطاع غزة وشنت ثلاث حروب متتالية على أهلنا فيه، ولازالت تقوم بهجماتها العدوانية كل يوم على سوريا وغزة ولبنان، وهو ما أدى إلى توتر علاقاتها مع بعض الأنظمة التي أقامت معها علاقات (على الأقل في الظاهر) كـتركيا و مصروالأردن وقطر وموريتانيا.

وهذه الأيام حيث يسود التوتر عملية التسوية، وعلى صعيد العلاقة بين الفلسطينيين والصهاينة و"عملية السلام المتوقفة عملياً" منذ عقد من الزمن، وتفاقم الأوضاع في أعقاب نقل ترامب سفارة الولايات المتحدة إلى القدس ، والاعتراف بها كعاصمة للكيان وإغلاقه لمكتب المنظمة، والسعي الظاهر لإلغاء حق العودة، وفي ظل هذا الواقع تشهد العلاقات الخليجية مع "إسرائيل" تطوراً ملحوظاً على كافة الأصعدة، فإذا كانت هذه الأنظمة تجاهر بعلاقاتها مع "إسرائيل" في ظل هذه الأوضاع السائدة، فإننا نفهم أنها قد باتت هي "واسرائيل" في خندق واحد ضد حركة المقاومة العربية ومستقبل الشعوب العربية.

لقد دأب نتينياهو منذ سنوات على التبجح بهذه العلاقات الوثيقة مع عدد من الأنظمة العربية والدول الخليجية على وجه الخصوص، وشهدنا في الآونة الأخيرة زيارات تطبيعية لوفود إسرائيلية إلى الإمارات والبحرين وعُمان، وزيارات ووفود هذه الدول إلى دولة الكيان، أما السعودية فقد تهافتت منذ مدة طويلة في إقامة علاقات حميمة مع "إسرائيل" على شكل علاقات أمنية وعسكرية وتجارية وحتى سياسية، لكنها بقيت سرية ولعل الفتوى التي أطلقها رئيس هيئة كبار العلماء في السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الذي أفتى بتحريم قتال الإسرائيليين وإمكانية التعاون مع الجيش الاسرائيلي للقضاء على حزب الله، واعتباره حماس حركة إرهابية، يشهد على حالة الانحطاط التي وصلت لها هذه الأنظمة.

وربما كانت اسرائيل من أكثر الدول تعاطفاً مع محمد بن سلمان بعد حادثة الصحفي جمال خاشقجي، وألمحت وسائل إعلامها عن تخوفها من عزله من منصب ولاية العهد، لأن إسرائيل تعتبر بن سلمان صديقاً لها وكنزاً استراتيجياً ورأس حربة في المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة، ونحن نتساءل هل تدرك هذه الأنظمة حقيقة مشروع السلام الذي يطرحه نتينياهو؟!

إن نتنياهو يجاهر في احتقاره للعرب ففي كتابه "مكان بين الأمم"، لم يخفِ هذا الاحتقار للعرب ولأنظمتهم، فقد أطلق عليه "سلام الردع" ومشروعه السياسي للسلام، يقوم على أساس اتفاقيات سلام ثنائية بين "إسرائيل" والدول العربية، وترتيبات أمنية، وتطبيع العلاقات، وإلغاء المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، وتجاوز الحل مع الفلسطينيين. وفي كتابه سالف الذكر كتب يقول: (يجب على الولايات المتحدة التوقف عن تدليل الأنظمة العربية الديكتاتورية، والسماح بمن يريد العيش بسلام مع إسرائيل بالخروج من الخزانة والإعراب عن وجهة نظره علانية)، وها هي عُمان و"سلطانها المعظم"، تخرج من الخزانة دون حياء، وتتهافت متفاخرة بهذه الزيارة، وقال مسؤولها: أنه آن الأوان للتعاون والاعتراف بإسرائيل، أما وزير خارجية البحرين المتهافت منذ مدة طويلة، فقد هرع للدفاع عن عُمان وموقفها، وتهافتت معه وسائل الإعلام الخليجية التي ابتهجت بهذه الزيارة، وثمنت موقف عُمان وسلطانه،ا وقد احتفت وسائل الإعلام العبرية بهذه الزيارة، واعتبرتها نقطة تحول وانتصار سياسي ودبلوماسي للدولة العبرية .

فما هو الدور المشبوه الذي تقوم به عُمان في هذه المرحلة، وخاصة أن زيارة نتينياهو جاءت بعد أيام من زيارة أبو مازن للسلطنة؟ فهل هنالك طبخة سياسية تجري في الكواليس؟ أم أنه مجرد إخراج مسرحي بائس للتغطية على زيارة نتينياهو وتوطئة لإعلان علاقات الدول الخليجية بإسرائيل؟

إن تهافت هذه الأنظمة ورموزها التنابلة والأغبياء في إقامة مِثل هذه العلاقات مع "إسرائيل"، إنما ينطوي على الإذعان والهزيمة والانحطاط، ويعكس مدى سقوطها القيمي وانحدارها الاخلاقي والسياسي، كما يعكس مدى جهلها وتخلفها وتواطؤها، ويؤكد أيضاً عن الدور الوظيفي الذي تلعبه إلى جانب "إسرائيل" في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة والعالم.

إنهم تنابلة لأنهم يأتمرون بإمرة الولايات المتحدة واسرائيل، وليس لديهم أي سيادة وطنية، وهم تنابلة، لأنهم جاهلون وأميون ولا يدركون خطورة الدولة الاستعمارية الصهيونية العدوانية ودورها التخريبي في المنطقة ومستقبل شعوبها، وهم تنابلة، لأنهم يفتقدون للكرامة والعزة والشرف التي هي من سجايا وخصال الشخصية العربية، وهم تنابلة لأنهم يفتقدون للفروسية والنخوة التي يتحلى ويفتخر بها أي عربي، وهم تنابلة، لأنهم لا ينصرون شعوبهم وإخوانهم العرب حين يتعرضون للذبح والتجويع والحصار في غزة والعراق وسوريا و ليبيا ولبنان بل ويطلقون حربهم الدموية ضد الشعب اليمني، وتساهم أموالهم في تدمير سوريا والعراق وليبيا، وهم تنابلة، لأنهم شديدو الضعف والهشاشة وأموالهم ومُقدراتهم وأراضيهم فاقدة السيادة، وهم تنابلة متهافتون، لأنهم يساعدون دولة الكيان على التمدد والتفتيت والعربدة وتخريب المنطقة، ولا يدركون أن "إسرائيل" تشكل خطراً على الجميع، بما فيها أنظمتهم الهشة، فهم لا يعتبرون ولا يتعلمون من التاريخ، "فإسرائيل" لم تحمِ التنابلة الذين تساوقوا معها كشاه إيران الذي هرب ولم تهرع "إسرائيل" لمد يد العون له، ولم تحمِ التنبل حسني مبارك الذي قدم لإسرائيل ما لم يقدمه زعيم متواطئ قبله، وعندما سقط اكتفت "إسرائيل" بالأسف وبذرف دموع التماسيح، ولن يكون مصير التنابلة المتهافتين على هذه الشاكلة سوى مزابل التاريخ.