الأخبار » مقالات

سياسة المشي على الجثث

10 تشرين الأول / أكتوبر 2018

Whatsapp

بقلم الاسير / شادي الشرفا

أمام العقوبات الجائرة على أهلنا في القطاع، لا يخطر ببالي سوى سيناريوهان تفترضهما سلطة رام الله: الأول، هو أن ينتفض الشارع الغزاوي ضد سلطة حماس هناك، والثاني، أن تنفجر الأوضاع بوجه الاحتلال. وفي كلا السيناريوهان لا أرى سوى حمام دم، سيحصد آلاف الشهداء من أهلنا المحاصرين في القطاع.

        فإذا كانت العقيدة المتبناة لدى سلطة رام الله مبنية على أساس السيطرة على غزة بأي ثمن، حتى لو سقط آلاف الشهداء، فهذه جريمة كبرى ووصمة عار على جبين من يتحكم بالقرار السياسي الفلسطيني، لن تطويها صفحات التاريخ بسهولة.

        إن الانطباع العام الذي نستشفه على الساحة الفلسطينية، هو أن هنالك سعيٌ حثيث نحو فرض برنامج سياسي وحيد على الشعب الفلسطيني دون غيره، رغم قفزه عن الثوابت الوطنية، ورغم عقم هذا البرنامج وفشله الذريع، وعدم إمكانيته الواقعية والتاريخية في تحقيق حقوق شعبنا المشروعة. فدرب المفاوضات العبثية والسلام المزعوم جلب الكوارث على شعبنا، وها هي حال الضفة والقدس أكبر مثال على إنجازات المشروع الصهيوني على حساب المشروع الوطني الفلسطيني.

        وبعد الانقسام المشين وسيطرة حماس على القطاع خاض الاحتلال الصهيوني عدة حروب على قطاع غزة، وكان آخرها عدوان عام 2014، والذي أدى إلى استشهاد ما يناهز عن ألفي شهيد، وآلاف أخرى من الجرحى، بالإضافة إلى تدمير كبير للمنازل والمنشآت والبنى التحتية، وفي كل الحروب التي شنت على القطاع، كانت وسائل الإعلام العبرية تُسرب أن عدة جهات أو شخصيات في رام الله "تبارك" الحرب، آملة في مواصلتها حتى إسقاط حكم حماس في القطاع. أي ما فشلت رام الله في تحقيقه عبر الحوار الوطني والثنائي تريد تحقيقه على "ظهر الدبابة الإسرائيلية" كما روج البعض. وإذا افترضنا مسبقاً أن هذا اتهام لا يمت بصلة للواقع، فإن "مصداقية" ذلك لا تدحضهُ العقوبات المفروضة على القطاع، والمحاولات الحثيثة لاستدامة الحصار الجائر على أهلنا هناك.

        الحديث هنا لا يدور عن صفقة القرن أو غيرها من المؤامرات التي تحاك ضد شعبنا منذ عقود، إن ما يدور حول نهج إقصائي فقد إنسانيته تحت شعارات وطنية فارغة، خاصة أن هناك جهة تتحدث عن الوحدة الوطنية ضمن منظور الوحدة الجغرافية فقط، وليس ضمن منظور الوحدة الفعلية للقوى الوطنية الفلسطينية الفاعلة والقائمة على التعددية وبرنامج الإجماع الوطني الفلسطيني وحقنا بمقاومة الاحتلال كما تكفله لنا الشرائع والمواثيق الدولية.

        إن منطق الاستئثار بالقرار الوطني الفلسطيني، وأُحادية التمثيل، ومركزية اتخاذ القرارات المصيرية، والاستفراد، واحتكار حزب سياسي واحد في صياغة البرنامج الفلسطيني، بما يتوافق مع رؤيته السياسية، لن يجلب لقضيتنا الوطنية سوى الخراب، هذا الخراب ليس سوى نتاج لاتفاق أوسلو، الذي ساهم في كسر وحدة الشعب الفلسطيني وضرب مقومات تماسكه.

        لقد بات الإقصاء هو السمة العامة للنظام السياسي الفلسطيني، وكأن لسان حال القيادة المتنفذة في المنظمة والسلطة، يقول: (أُريد استعادة السيطرة على غزة كي أمارس سياسة الإقصاء والتفرد والتهميش)، كما هو حال الضفة، أي المطروح أمامنا هو مصالحة من أجل التهميش. وحقيقة الأمر أن حال الضفة، هو الذي يجعل أهم القوى والفصائل الوطنية تعارض منطق المصالحة المطروح، والذي يتضمن أيضاً إنهاء البنية التحتية للمقاومة، والارتهان لنهج وأوهام التسوية العقيمة.

        لا يمكن أن يكون حال الضفة هو النموذج الذي يحتذى به، حيث يسرح ويمرح الاحتلال ومستوطنيه دون أي رادع حقيقي، من خلال محاولة تغييب البعد المجتمعي في المواجهة مع الاحتلال، وتسييد قيم مفادها أن الشئون السياسية والمجتمعية هي من تخصص القائد وحده، ولا مجال لحق الاختلاف وحرية الرأي التي ستلجمها الأجهزة الأمنية في الضفة.

        إن النموذج المطروح به نفحة ديكتاتورية تشبه نماذج الأحزاب الحاكمة الشمولية في الوطن العربي، تلك الأحزاب الشكلية والتي يقودها شخصٌ واحد يحتكر قرارها وتعيش قياداتها في حالة من الفساد المطلق، من السلب والنهب، وهذا ينسجم مع الحالة الفلسطينية، مما يُنتج تلقائياً حالة من النقد والسخط والاغتراب الاجتماعي والسياسي الفلسطيني.

        وأمام احتمال بأن العقوبات على أهلنا في القطاع، لم تفجر الأوضاع في وجه حماس، كونها ما زالت لديها القدرة على السيطرة والتحكم، فإن ذلك لا يعني تخلي سلطة رام الله التي تحتكر "الشرعية" من الرهان على هذا الوهم (الاحتمال)، حتى لو كانت تداعيات ذلك تعني حرباً أهلية، لأن حماس ببساطة لن تتخلَ عن حكمها بسهولة، فلا بأس أن يموت بضعة آلاف من الفلسطينيين كي تثبت جهة ما أنها "الشرعية" أمام المجتمع الدولي. وبصدق لا يوجد كلمة مقيتة في القاموس السياسي أكثر من الشرعية، ليس لشيء، إنما لأن هناك من يفسرها على هواه وما يخدم مصالحه فقط، متناسياً أن لا شرعية سوى للشعب ولقواه الحية.

        أما من يسعى لعرقلة مشروع المصالحة، ويفرض عقوبات، فإنه بنفس الوقت يسعى لتفجير الوضع الغزي بوجه الاحتلال ساعياً لخلط الأوراق بعد عزلته الدولية وحصاره ومعاملته على أنه غير ذي صلة كما يقولون، وهذا أيضاً رهانٌ خاسر ومحزن لأنه لا يعني سقوط آلاف الشهداء فقط، إنما يعني أنه لا يؤمن بحقيقة وواقعية المقاومة وقدرتها على ردع الاحتلال، فالمقاومة شطبت من القاموس السياسي، واستبدلت بسياسة الاستجداء تماماً، كما حصل في الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام.

        تكتسب العقوبات المفروضة على القطاع صفة المشي على الجثث، بناءً على السيناريوهات المحتملة أعلاه، وكأن جماهير شعبنا هم مجرد وقود وحطب لخدمة طبقة/شريحة سياسية معينة، تقدم مصالحها الخاصة على المصالح العامة للشعب الفلسطيني.

فما المدى الذي ستصله القيادة المتنفذة كي تحقق مآربها؟ فإذا كانت معاناة الناس وأرواحهم هي مجرد أداة، والاعتقال السياسي ومصادرة الحريات نهجاً يومي، والتنسيق الأمني مقدساً، وفصائل المقاومة تصبح -بلغة الشرعية- ميليشيات في محاولة لمساواتها مع الإرهاب...، وتختفي في المقابل المفاهيم الأساسية والمصطلحات التي تتحدث عن معاناة شعبنا، وعن حصار غزة، وعن بطولات مسيرات العودة، وإضافة إلى ذلك تقزيم حق العودة، والإصرار على الاعتراف بدولة الكيان. أما التجلي الأكثر وضوحاً لوطأة الصراع الفلسطيني، هو استسهال استخدام لغة التخوين وكيل الاتهامات الجاهزة دوماً، خاصة تهم التساوق مع ما يسمى صفقة القرن، وكأن الشعب الفلسطيني يمكن استغلاله بسهولة. قد تستطيع "القيادات" استمالة جزء من الشعب، لكنها لم ولن تستطيع تحقيق إجماع جماهيري عبر الاستمالة أو الملاحقة.

        إن معالم الحرب على غزة أصبحت وشيكة، والتاريخ سيدون من يتحمل المسئولية أولاً وأخيراً، فالحقائق لا يمكن تغطيتها بغربال، ومن يحرص على مصالح شعبه لا يفرض العقوبات ولا يعيق المصالحة، وبالتأكيد لا يعرقل جهود رفع الحصار، لكن يبدو أن القائد هنا مفصول عن شعبه وعن همومه، وليس لديه أدنى فكرة عما يجري في الشارع الفلسطيني.

        يذكرنا ذلك بالملكة "ماري أنطوانيت" إبان الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، فأنطوانيت سألت مستشاريها: ما سبب هيجان الفقراء والفلاحين (حين اندلعت الثورة)؟ فقيل لها: لا يوجد عندهم خبز ليأكلوه. فقالت: لا يوجد خبز فليأكلون بسكويت! وهذا تصريح لم يكن تهكماً أو سخرية، بل تأكيداً عن عجز أنطوانيت عن فهم مشاكل الجمهور وحقيقتها. وهذا حال قياداتنا الفلسطينية المتنفذة التي انعزلت كلياً عن شعبنا الفلسطيني، الذي يعيش حالة احتقان واغتراب وفقدان الثقة بهذه القيادة الغارقة في أوهام التسوية ولو على حساب آلاف الشهداء، فهي حقاً تبنت سياسة المشي على الجثث.. الجثث الفلسطينية.