الأخبار » مقالات

كميل أبو حنيش يكتب صفقة القرن: هي الابنة الشرعية لعملية التسوية

17 أيلول / سبتمبر 2018

23749eb73cdab002811b0e2b6e168d37
23749eb73cdab002811b0e2b6e168d37
Whatsapp

خاص مركز حنظلة للأسرى والمحررين

منذ ما يربو على أربعة عقود من انطلاق إطار التسوية في المنطقة بدءً بكامب ديفيد الأولى وملحقاتها، ومشروع الحكم الذاتي للفلسطينيين الذي قبل به السادات، مروراً بمدريد وأوسلو وسلسلة المشاريع التي عقبتهما، لا تزال عملية التسوية تدور حول نفسها ولا تتقدم، والسبب يعود إلى طبيعة دولة الكيان التي لا يمكن عقد أي تسويات معها في ظل عقد موازين قوة مختلّة لصالحهم، فقد حددت إسرائيل الخطوط العامة للتسوية مع العرب والفلسطينيين منذ سنوات طويلة، وبمؤازرة كاملة من الولايات المتحدة، ورسمت مجموعة من الخطوط الحمراء التي تشكّل جوهر الحل مع الفلسطينيين كما تراها ولم تتراجع عنها.

وهذه الخطوط الحمراء معروفة منذ زمن بعيد (الرفض المطلق لعودة اللاجئين الفلسطينيين ورفض العودة إلى حدود الرابع من حزيران القدس عاصمة لإسرائيل حكم ذاتي للفلسطينيين ,,, إلخ)، وهذه الخطوط ترسّمت بشكل واضح منذ كامب ديفيد عام 1978 ولاحقاً في أوسلو وما أعقبها من مفاوضات منذ ذلك الحين تحددت ملامح الحل النهائي التي تتضمنها صفقة القرن المطروحة محاولة لفرض هذه التسوية على الفلسطينيين والعرب.

ويجاهر الاحتلال الإسرائيلي بمختلف أطيافه الأيديولوجية والسياسية بهذه الخطوط الحمراء، وأن أقصى ما يمكن القبول به للفلسطينيين هو حكم ذاتي وقضم كامل لكافة الحقوق الفلسطينية الوطنية، وقد اتضح بشكل قاطع للطرف الفلسطيني المفاوض في كامب ديفيد الثاني عام 2000 وفي مفاوضات طابا عام 2001، بأن الإسرائيليين لن يتراجعوا عن هذه الخطوط الحمراء ولاحقاً في خطّة خارطة الطريق التي قبلها الطرف الفلسطيني الرسمي وسجّل شارون على هذه الخطّة 14 تحفظاً شكّلت عملياً نسفاً كاملاً لهذه الخطّة، والغريب أن إدارة بوش الابن قد قبلت بكامل تحفظات شارون، ثم تبيّن لاحقاً هذا الإصرار من الجانب الإسرائيلي على هذه الخطوط في مفاوضات أنابوليس عام 2008 ولاحقاً في المفاوضات التي عرفت بالاستكشافية في عهد إدارة أوباما.

إذن ما هو الجديد؟ فإذا كان جوهر ما تطرحه خطّة صفقة القرن موجود في خطّة السلام في كامب ديفيد الأولى وطرح في أوسلو وكامب ديفيد الثانية وطابا وخارطة الطريق وأنابوليس وفي سلسلة المبادرات والمشاريع الأمريكية السابقة فلماذا كل هذه الضجّة وكأن صفقة القرن قد سقطت فجأة من السماء؟ أو أن ترامب قد اخترع هذه الخطة من العدم!

ومع أن هذه الخطّة في جوهرها معروفة منذ عقود إلا أن خطورتها في هذه المرحلة تكمن في الأسباب التالية:-1- لأول مرة تجاهر فيه الولايات المتحدة بهذه الوقاحة في تبني كامل الشروط الإسرائيلية للتسوية، وتسعى إلى فرض تسوية مذلة على الفلسطينيين والعرب وإخضاع المنطقة بشكل كامل لإسرائيل.

2- شخصية الرئيس ترامب الإشكالية والاستفزازية، التي تفتقر للدبلوماسيّة، وتسمي الأشياء بمسمياتها صراحة وبدون نيّة في المراوغة أو التحايل، كما دأبت الإدارات السابقة حيث اتخذ ترامب سلسلة من القرارات والإجراءات التي لم يتخذها أحد من الرؤساء السابقين فنقل السفارة الأمريكية من القدس، وإلغاء تمويل الأونروا، والسعي لشطب حق العودة وبهذا تم شطب أهم ملفين قبل أن تبدأ عمليّة المفاوضات.

3- تأتي هذه الخطّة في ظل ثبات أفق عملية التسوية بعد 10 أعوام من ترأس نتنياهو للحكومة الإسرائيلية، والذي بممارساته على الأرض من استيطان وتهويد وقتل واعتقالات وهدم للبيوت وحروب على غزّة ,,, إلخ، قد أنهى عملياً أي أمل لاستئناف العمليّة السياسية من جديد، وهو ما ضرب علامة استفهام كبرى حول جدوى استمرار التسوية، بل وأدّت النتائج على الأرض إلى إفلاس مشروع التسوية بشكل واضح.

4- تواطؤ عدد من الأطراف العربية لا سيما السعودية والإمارات المتحدة، وتساوقها العلني مع هذه الخطة وممارستها للضغوط على الفلسطينيين، وقبولها والتساوق معها، حيث لم تعد هذه الأنظمة ترى في إسرائيل عدواً لها، بل حليفاً مهماً ضد إيران وقوى المقاومة في المنطقة.

5- تغوّل الاستيطان وتهويد القدس وارتفاع وتيرة الممارسات العدوانية ضد الشعب الفلسطيني أضعف السلطة وترك علامة استفهام حول جدواها ووظيفتها، وبالتالي باتت مراكز القوى المشكّلة للسلطة تستشعر بإفلاسها وإفلاس مشروعها السياسي وعقم المراهنة على الحلول الأمريكية.

والآن وبعد مرور ربع قرن على مسيرة أوسلو الفاشلة ألم يحن الوقت لمراجعة هذا المسار في ظل المخاطر الكبيرة التي تعصف بمستقبل القضيّة الفلسطينية؟ لكن ما يثير الاستغراب أنه في الوقت التي تتحدث به القيادة في السلطة ومنظمة التحرير ممثلة بأبو مازن عن رفضها القاطع لخطّة صفقة القرن، الأمر الذي يستدعي إعادة ترتيب البيت الفلسطيني بوصفه الضمان الأهم لإفشال هذه الخطّة، نجد هذه القيادة تتجه اتجاهاً مغايرا في توزيع سُدة الخلاف الداخلي وعرقلة جهود المصالحة والاستمرار في فرض العقوبات على غزة، بل والتهديد بالمزيد منها.

فهل من شأن مثل هذه الخطوات أن تواجه وتصد هذه الخطة، التي تسعي سعياً حثيثاً لتصفيّة القضية الفلسطينية؟ إن من يقرأ هذا السلوك لا يمكن له أن يصدّق أن هذه القيادة فعلاً رافضة لهذه الخطة، بل على العكس، فإن هذه الإجراءات تلتقي تماماً مع خطة صفقة القرن في إصرارها على إضعاف الحالة الفلسطينية الداخلية.

فإذا كانت قيادة المنظمة والسلطة جادّة في مواجهة هذا المشروع يتعين عليها أن تنتهج سياسة مغايرة وأن تستخلص العبر والدروس من ربع قرن من الفشل في مشروع التسوية، ولعل أهم الدروس التي يمكن أن نستخلصها من هذه المسيرة المستمرة منذ أكثر من ربع قرن ما يلي:-

1. إن طبيعة دولة الاحتلال بوصفها دولة ومجتمعاً استيطانياً يقوم على أساس أيديولوجي عنصرية إحلالية، وبعد تجربة عميقة في المفاوضات لا يمكن عقد تسويات مع مثل هكذا كيان استيطاني في ظل موازين قوى مختلة لصالحهم، وهذا النمط من الكيانات لا يمكن تحويله والتأثير عليه بالتسويات وإبرام اتفاقيات سلام معه بل باستمرار النضال الطويل والدؤوب الذي لا يعرف المساومة والتنازل، وصولاً إلى إضعافه وهزيمته نهائياً حتى يسلّم بالأمر الواقع وينهار كما جرى في جنوب أفريقيا (مع الفارق الجوهري بين النموذجين الفلسطيني والجنوب إفريقي، ارتباطاً بطبيعة وبنية وأيدلوجية وأهداف الحركة الصهيونية وحلفائها).

2. إن العامل الذاتي مهم للغاية في عملية الصراع، ولا يجوز الاستهانة بالمعادلة الفلسطينية رغم ضعفها، ولا يجوز لنا انتظار ما تسفر عنه التحولات في العالم، وانتظار تبدد الإدارات الأمريكية والحكومات الإسرائيلية، بل علينا أن نبادر، والمبادرة تقتضي الوحدة الوطنية وبناء المؤسسات وأولها منظمة التحرير والاتفاق على برنامج مقاومة يجمع عليه الجميع.

3. المقاومة بكافة أشكالها هي التي تستعيد الحقوق، وليست عملية التسوية والمفاوضات، والمقاومة إرث وطني يتعين علينا الاعتزاز بها، وخط أحمر لا يمكن لأي كان المساومة عليها أو الانتقاص من مكتسباتها، فالمقاومة هي التي تحدت المشروع الصهيوني في مهده في الثلاثينيات من القرن الماضي، وهي التي أعادت فلسطين إلى الخارطة بعد انطلاقها أواخر الستينيات، وهي من جذب تعاطف العالم وكشفت زيف ادعاءات إسرائيل في الانتفاضة الأولى، والمقاومة هي التي حررت لبنان وهي التي حررت غزة، وليست المفاوضات العبثية، فكيف يمكن لحركة تحرر وطني أن تتنازل طوعاُ عن المقاومة وتطالب بتفكيكها كما يطالب أبو مازن اليوم؟!! ألا يتقاطع هذا الطرح مع مشروع صفقة القرن؟! أليس هذا المطلب أهم المطالب الإسرائيلية على الإطلاق؟! وهذه المقاومة هي التي حققت معادلة صعبة وإسرائيل تحسب حسابها جيداً وتدرك مدى خطورتها وأنه لا يمكن الوقوف في وجه المشاريع الصهيونية الأمريكية إلا بالمقاومة.

4. بعد انكشاف التبني الأمريكي الواضح لإسرائيل ولرؤيتها في التسوية، يتعين علينا الإصرار على عدم العودة لذات المربع التي كانت الولايات المتحدة تستأثر وحدها في إدارة التسوية، بل والإصرار على عدم إشراكها في أية عملية سياسية، وعلينا أن ندرك أهمية دورنا كفلسطينيين في رفض وتحجيم الدور الأمريكي في المنطقة، وهذا ما سيشجع غيرنا في رفض دور الولايات المتحدة ومحاصرة دبلوماسيتها المعادية.

إن المستقبل المنظور ينذر بتطورات خطيرة ما لم نتدارك أنفسنا من الآن في مواجهة التحديات الجسيمة، ويتعين علينا المسارعة قبل فوات الأوان لترتيب أوضاعنا الداخلية وتجسيد الوحدة الوطنية والنضالية، لأنها الضمانة الوحيدة لمواجهة أي مشروع سياسي يستهدف صميم حقوقنا الوطنية.

مسئول فرع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في سجون الاحتلال، ومن أبرز قيادات الحركة الوطنية الأسيرة