الأخبار » مقالات

حول سوريا والحرب الشاملة بقلم الرفيق الأسير شادي الشرفا

30 أيار / مايو 2018

Whatsapp

خاص مركز حنظلة للأسرى والمحررين

أقنعت دولة الكيان الصهيوني العالم بأنها لن تسمح بوجود إيراني في سوريا، وفي هذا السياق تبرر اعتداءاتها المتكررة وعدوانها الذي تنتهك به السيادة السورية بل القانون الدولي، فهل تريد دولة الاحتلال ان تفهمنا أن استراتيجيتها تتمثل في انهاء ما تسميه "بالمليشيات الإيرانية" باعتبار أنها لا تريد نقل نموذج حزب الله الى سوريا؟! أم أن هنالك استراتيجيات أخرى وراء ذلك؟!

بدون شك فإن الدولة العبرية تخشى تواجد عسكري إيراني يهدد قواعدها العسكرية وجبهتها الداخلية، وفي صراعها المحتدم مع الجمهورية الايرانية تسعى للحد من تمددها ولبتر أذرعها الطويلة، ناهيك عن هلعها وتخوفها من برنامجها النووي والصاروخي وحتى المعرفي، ولكن حتى لو استجابت ايران للمطلب الصهيوني وسحبت قوات حرس الثوري من هناك فإن ذلك لن يوقف الاعتداءات الهمجية الإسرائيلية بل ستزداد كثافة وشراسة، ومخطئ وساذج من يعتقد غير ذلك والسبب أن لدولة الاحتلال استراتيجيات محددة في سوريا يمكن تلخيصها بالتالي:-

  1. الحصول على براءة واعتراف دولي بضمها الجولان السوري المحتل ليصبح جزءً لا يتجزأ من الكيان الصهيوني.
  2. انهاء تسليح حزب الله عبر الأراضي السورية، وبالتالي اضعافه ولجم تطوره وعزله عن الحاضنة السورية.
  3. تصفية القضية الفلسطينية لاعتبار سوريا القلعة الحصينة الأخيرة عربياً، وإذا سقطت يعزل الفلسطينيين مما يمهد لفرض مشروع استسلامي هزيل.

إن هذه الاستراتيجيات الثلاث لن تتحقق ولا يمكن أن تتحقق دون انهاء الدولة العربية السوية، فالقضاء عليها وتفتيتها يعني القضاء على التهديد الاستراتيجي الأكبر للهيمنة الأمريكية والصهيونية على المنطقة وعلى حق المطالبة السياسية بالانسحاب من الجولان السوري المحتل، لذا لا غرابة أن تسعى دولة الكيان الصهيوني الى تأييد الصراعات الداخلية في سوريا وإلى تمويل العصابات المسلحة ودعمها لإضعاف الجيش السوري، فهزيمة الجيش العربي السوري يعني سيطرة الجماعات المسلحة الإرهابية كذلك تأييد النزاع بين القوى التي تتصارع على الأراضي السورية، فسوريا مقسمة هي بحد ذاتها من أجل تبرير ضمها الى الجولان السوري المحتل باعتباره الهدف الاستراتيجي الأول بالإضافة الى وقف تسليح المقاومة اللبنانية وتصفية القضية الفلسطينية عبر منع إقامة دولة عربية قومية سيادية ستشكل الحامي الاستراتيجي للفلسطينيين.

وبهذا الصدد فإن اشتداد الضربات الإسرائيلية والتعدي المتواصل على الأراضي السورية يأتي في سياق فشل العصابات المسلحة وتراجعها نتاج الانتصارات المتتالية للجيش العربي السوري وحلفائه، فبعد أن فشلت أدوات الكيان الصهيوني وأمريكا بعصاباتها المسلحة بتحقيق المنشود منها بتقسيم سوريا بدأت الدولة الاستعمارية العبرية تخوض المواجهة بنفسها وعبر سلاح طيرانها وصواريخها وللأسف بتمويل البترو-دولار للخليج العربي.

وطالما أن سوريا دولة ذات سيادة وماضية قدماً في الحفاظ على وحدة أراضيها العربية، وطالما استمرت هزائم العصابات المسلحة، فإن دولة الكيان الصهيوني ستستمر بحربها طويلة الأمد ضد الدولة السورية بوجود أو عدم وجود المليشيات الإيرانية متكئةً بذلك على الظرف الدولي والعربي المقيت إضافة الى التساوق المطلق للإدارة الأمريكية مع مطالبها في سعي محموم من جانبها للاستفادة القصوى من توحش أمريكي غير مسبوق على الصعيد الدولي في ظل إدارة ترامب الهمجية العنجهية والحمقاء.

إن قوة الردع الحقيقية لهذا العدوان تتمثل في تحالف قوى المقاومة المتمثلة في الجيش العربي السوري وايران وحزب الله والقوى الحية التقدمية وفي مقدمتها قوى المقاومة الفلسطينية واسناد هذا بتحالف دولي لمواجهة التغول الأمريكي على المنطقة والعالم، والذي يهدد أيضاً مصالح روسيا والصين وحتى حلفاء أمريكا الأوروبيين، وليسلم هذا التحالف المهم من اعتداءات الصهيو-أمريكية، فالأخيرة تخوض صراعاً ضد المصالح الروسية في المنطقة وضد أي ملامح لدولة عربية قومية ممانعة وذات سيادة واستقلالية وتتمتع بالمقومات التي تجعل منها دولة ترفض التبعية والولاء والتطبيع، فنموذج الدولة الخاضعة والخانعة أي شبه الدولة على غرار أقطار وحظائر الخليج هو النموذج الوحيد المسموح ضمن المنطق الامبريالي الاستعماري في المنطقة، فيما حليفتها الدولة العبرية تتقاطع معها في الاستراتيجيات وتجد في الإدارة الترامبية الحالية الفرصة لتحقيق أهدافها، لذا نرى حكومة الاحتلال تسابق الزمن مستغلةً بشاعة الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب لتحقيق مآربها قبل انتهاء ولايته.

لذا يجب ألا نستبعد أن تعترف الإدارة الأمريكية رسمياً بالجولان كجزء من الأراضي الإسرائيلية كما فعلت باعترافها بالقدس، ضاربةً بعرض الحائط قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي خاصة وأن هناك مساعي حثيثة تجري بالعلن وتحت الطاولة لإقناع أعضاء الكونغرس الأمريكي بضرورة هذه الخطوة باعتبار أن هضبة الجولان كنزاً استراتيجياً لا يمكن التخلي عنه من الناحية الجيوسياسية والعسكرية، فأطماع الكيان الصهيوني التوسعي في الجولان كبيرة كما هي أطماعه في ضم شبه جزيرة سيناء لكن الظرف الدولي لا يهيئ الأرضية لذلك بعد.

لعل العامل الفارق في هذه المواجهة يتمثل في وصول طرفي التحالف والتنسيق التام بين الكيان ومنظومة الدمى الخليجية إلى أعلى مستوى، وهو ما يضيف المزيد من القوة والعنجهية لسياسات وممارسات الكيان، فالمؤسف أن بعض الأنظمة العربية تتساوق مع المشروع الصهيوني وتمول اعتداءاته على سوريا رغم معرفتها أن القضاء على الدولة ووحدة الأراضي السورية يعني اغتصاب الجولان نهائياً وتصفية القضية الفلسطينية تحت ذريعة ما تسميه التمدد الإيراني، وفي حقيقة الأمر فإن هذه الأنظمة الرجعية تريد انهاء الحلم العربي القومي بشكل تام.

وعلى ضوء ذلك أكاد أجزم أن حرباً شاملة ستشن على سوريا قريباً شريطة فشل الضربات والعدوان المتكرر على سوريا في اضعاف الدولة هناك وفشل العصبات المسلحة خاصة في الجنوب الغربي (درعا وغيرها) من تسويق بضاعتهم، فالكيان الصهيوني ينتظر الفرصة المناسبة والتي يضمن بها تنفيذ مشروعه الخطير لكن خشيته الكبرى أن تتحول المواجهة مع سوريا الى حرب شاملة مع جبهة غزة ولبنان وإيران.